* ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ) * إذ لا تقبل هناك إلا الأمور النورانية
الباقية لأن الآخرة هي عالم النور والبقاء ، فلا وقع ولا خطر للأمور الظلمانية فيها
الفانية . وهل كان سبب كفرهم واحتجابهم إلا محبة هذه الفواسق الفانية ؟ ، فكيف
تكون سبب نجاتهم وقربهم وقبولهم وندبتهم وهي بعينها سبب هلاكهم وبعدهم
وخسرانهم وحرمانهم .
* ( لن تنالوا البر ) * كل فعل يقرب صاحبه من الله فهو بر ، ولا يمكن التقرب إليه
إلا بالتبري عما سواه ، فمن أحب شيئاً فقد حجب عن الله تعالى به وأشرك شركاً خفياً
لتعلق محبته بغير الله ، كما قال تعالى : * ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) * [ البقرة ، الآية : 156 ] وآثر نفسه به على الله ، فقد بعد من الله بثلاثة
أوجه وهي : محبة غير الحق ، والشرك ، وإيثار النفس على الحق . فإن آثر الله به على
نفسه وتصدق به وأخرجه من يده ، فقد زال البعد وحصل القرب ، وإلا بقي محجوباً
وإن أنفق من غيره أضعافه فما نال براً لعلمه تعالى بما ينفق وباحتجابه بغيره .
* ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) * أي : العقلاء بحكم الأصل ، إذ العقل
يحكم بأن الأشياء خلقت لمنافع العباد مطلقاً فما يكون من جملة المطعومات خلقت
لتناولها * ( إلا ما حرم إسرائيل ) * الروح * ( على نفسه ) * بالنظر العقلي عند التجربة
والقياس ومعرفة مضارها ومنافعها على التفصيل بعد الحكم الإجمالي بحلها ، فإن
العقل يحكم بحرمة ما يضر أو يهلك .
* ( من قبل أن تنزل التوراة ) * أي : من قبل نزول الحكم الشرعي بالتوراة وسائر
الكتب الإلهية وذلك أن الناس اختلفوا بعدما كانوا أمة واحدة على دين الحق ، كما
ذكر ، فبعث الله النبيين لهدايتهم وإصلاح أحوال معاشهم ومعادهم ، وردهم إلى الحق
والاتفاق ، فما اقتضت الحكمة الإلهية بحسب أحوالهم المختلة وطباع قلوبهم المخرفة
ونفوسهم المريضة ، حرمته من المألوفات والأشياء الصارفة عن الحق الحاجبة بينهم
وبين الله ، والمهيجة للهوى والشهوات وسائر المفاسد والفتن المانعة إياهم عن كمالهم
واهتدائهم حرم عليهم .
[ تفسير سورة آل عمران من آية 96 إلى آية 97 ]
تفسير ابن عربي — صفحة 136
مساهمون: ابن عربي
ص١٣٦