[ آية 6 - 9 ]
* ( إن الذين كفروا ) * - إلى قوله - * ( عظيم ) * هم الفريق الأول من الأشقياء الذين
هم أهل القهر الإلهي لا ينجح فيهم الإنذار ولا سبيل إلى خلاصهم من النار ، أولئك
حقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون ، وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا
أنهم أصحاب النار ، سدت عليهم الطرق ، وأغلقت عليهم الأبواب ، إذ القلب هو
المشعر الإلهي الذي هو محل الإلهام ، فحجبوا عنه بختمه . والسمع والبصر هما
المشعران الأنسيان ، أي الظاهران اللذان هما بابا الفهم والاعتبار ، فحرموا عن
جداوهما لامتناع نفوذ المعنى فيهما إلى القلب ، فلا سبيل لهم في الباطن إلى العلم
الذوقي الكشفي ولا في الظاهر إلى العلم التعلمي والكسبي ، فحسبوا في سجون
الظلمات ، فما أعظم عذابهم .
* ( ومن الناس من يقول آمنا ) * هم الفريق الثاني من الأشقياء ، سلب عنهم الإيمان
مع ادعائهم له بقولهم * ( آمنا بالله ) * لأن محل الإيمان هو القلب لا اللسان . * ( قالت
الأعراب إمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمن في قلوبكم ) * [ الحجرات ،
. الآية : 14 ] . ومعنى قولهم : * ( آمنا بالله وباليوم الآخر ) * ادعاء علمي التوحيد والمعاد
اللذين هما أصل الدين وأساسه أي لسنا من المشركين المحجوبين عن الحق ولا من
أهل الكتاب المحجوزين عن الدين والمعاد ، لأن اعتقاد أهل الكتاب في باب المعاد
ليس مطابقاً للحق . واعلم أن الكفر هو الاحتجاب ، والحجاب إما عن الحق كما
للمشركين وإما عن الدين كما لأهل الكتاب ، والمحجوب عن الحق محجوب عن
الدين الذي هو طريق الوصول إليه ضرورة ، وأما المحجوب عن الدين فقد لا يحجب
عن الحق ، فهؤلاء ادعوا رفع الحجابين معاً فكذبوا بسلب الإيمان عن ذواتهم ، أي
ليسوا بمؤمنين ما داموا إياهم يخادعون . المخادعة استعمال الخدع من الجانبين ، وهو
إظهار الخير واستبطان الشر . ومخادعة الله مخادعة رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله : * ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) * [ النساء ، الآية : 180 ] ، وقوله تعالى : * ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) * [ الأنفال : الآية : 17 ] ولأنه حبيبه .
وقد ورد في الحديث : ( ( لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا
أحببته كنت سمعه الذي به يسمع ، وبصره الذي به يبصر ، ولسانه الذي به يتكلم ،
تفسير ابن عربي — صفحة 35
مساهمون: ابن عربي
ص٣٥