البدن . فالقلبية هي المعارف ، والحكم ، والكمالات العلمية والعملية الخلقية . والبدنية
هي الصحة والقوة واللذات الجسمانية والشهوات الطبيعية . وما حول البدن هي
الأموال والأسباب ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( ( ألا وإن من النعم سعة
المال ، وأفضل من سعة المال صحة الجسد ، وتقوى القلب ) ) . ويجب الاحتراز عن
الأوليين لإحراز الأخيرة المطلوبة بالزهد والعبادة .
فإقامة الصلاة ترك الراحات البدنية وإتعاب الآلات الجسدية ، وهي أم العبادات
التي إذا وجدت لم يتأخر عنها البواقي * ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) * [ العنكبوت ، الآية : 45 ] إذ هي تحامل على البدن والنفس ، ومشقة فادحة عليهما ، والاتفاق المال هو الإعراض عن السعادة الخارجية المحبوبة إلى النفس المسمى
بالزهد ، فإن الإنفاق ربما كان أشد عليها من بذل الروح للزوم الشح إياها ، ولم يكتف
بالقدر الواجب فقال :
[ آية 3 - 5 ]
* ( ومما رزقناهم ينفقون ) * ليعتاد القلب ترك الفضول المالية بالجود والسخاء وبذل
المال ، في وجوه المروات ، والهبات ، والصدقات الغير الواجبة ، فيوقي شح نفسه ،
وخصص الإنفاق بالبعض بإيراد من التبعيضية لئلا يقع في رذيلة التبذير ببذل القدر
الضروري فيحرم فضيلة الجود الذي هو من باب التخلق بأخلاق الله .
* ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) * أي : الإيمان التحقيقي
الشامل للأقسام الثلاثة المستلزم للأعمال القلبية التي هي التحلية ، وهي تفرس القلب
بالحكم والمعارف المنزلة في الكتب الإلهية والعلوم المتعلقة بأحوال المعاد ، وأمور
الآخرة ، وحقائق علم القدس . ولهذا قال : * ( وبالآخرة هم يوقنون ) * وأهل الآخرة
الذين ما جاوزوا حد التزكية ، ولم يصلوا إلى التحليلة التي هي ميراثها ، لقوله عليه
صلى الله عليه وسلم : ( ( من عمل بما علم ورثة الله علم ما لم يعلم ) ) . وأهل الله الموقنون الجامعون
لها كلهم على هدى من ربهم إما إليه وإما إلى داره ، دار السلامة والفضل والثواب
واللطف ، وهم أهل الفلاح لا غير إما من العقاب وإما من الحجاب ولهذا قال :
* ( أولئك ) * أي : الموصوفون بهذه الصفات المذكورة من التزكية والتحلية . * ( على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) * لأجلها ، فعلى هذا الذين يؤمنون مبتدأ ، والذين
يؤمنون الثاني معطوف عليه ، وأولئك خبره ، ولو جعل صفة للمتقين لكان المراد بهم
الكاملين في التقوى بعد الهداية . وكان مجازا من باب تسمية الشيء بما سيؤول إليه .
تفسير ابن عربي — صفحة 34
مساهمون: ابن عربي
ص٣٤