* أقضي نهاري بالحديث وبالمنى
* ويجمعني والهم بالليل جامع
* ووقع في قلبها مثل الذي وقع بقلبه ، فجاء يوماً يحدثها ، فخافت عليه وقالت :
* كلانا مظهر للناس بغضاً
* وكل عند صاحبه مكين
* فسري عنه ، وقالت : إنما أردت أن أمتحنك ، وأنا معطية لله عهداً : لا جالست بعد اليوم أحداً )
سواك ، فانصرف وأنشأ يقول :
* أظن هواها بتاركي بمضلة
* من الأرض لا مال لدي ولا أهل
*
* ولا أحد أقضي إليه وصيتي
* ولا وارث إلا المطية والرحل
*
* محا حبها حب الألى كن قبلها
* وحلت مكاناً لم يكن حل من قبل
* قلت : ثم اشتد بلاؤه بها ، وشغفته حباً ، ووسوس في عقله ، فذكر أبو عبيدة : أن المجنون كان يجلس في نادي قومه وهم يتحدثون ، فيقبل عليه بعضهم ، وهو باهت ينظر إليه لا يفهم ما يحدث به ، ثم يثوب إليه عقله ، فيسأل عن الحديث فلا يعرفه ، حتى قال له رجل : إنك لمخبول ، فقال :
* إني لأجلس في النادي أحدثهم
* فأستفيق وقد غالتني الغول
*
* يهوي بقلبي حديث النفس نحوكم
* حتى يقول جليسي أنت مخبول
* قال أبو عبيدة : فتزايد به الأمر حتى فقد عقله ، فكان لا يقر في موضع ، ولا يؤويه رحل ، ولا يعلوه ثوب ، إلا مزقه ، وصار لا يفهم شيئاً مما يكلم به إلا أن تذكر له ليلى فإذا ذكرت له أتى بالبدائه .
وقد قيل : إن قوم ليلى شكوا منه إلى السلطان ، فأهدر دمه ، ثم إن قومها ترحلوا من تلك الناحية ، فأشرف فرأى ديارهم بلاقع ، فقصد منزلها ، وألصق صدره به ، وجعل يمرغ خديه على التراب ويقول :
تاريخ الإسلام — صفحة 216
مساهمون: الذهبي
ص٢١٦