لفظت نفسها الأخيرة صلّى اللّه عليها كما سيوافيك « 1 » تفصيله .
وهل هذا الحكم مطّرد بين الأنبياء جميعا ؟ أو أنّه من خاصّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ؟
والأوّل ينقضه الكتاب العزيز بقوله تعالى :
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ
« 2 » .
وقوله سبحانه عن زكريّا :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
« 3 » .
ومن المعلوم أنّ حقيقة الميراث انتقال ملك الموروث إلى ورثته بعد موته بحكم المولى سبحانه ؛ فحمل الآية الكريمة على العلم والنبوّة كما فعله القوم خلاف الظاهر ؛ لأنّ النبوّة والعلم لا يورثان ، والنبوّة تابعة للمصلحة العامّة ، مقدّرة لأهلها من أوّل يومها عند بارئها ، واللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، ولا مدخل للنسب فيها كما لا أثر للدعاء والمسألة في اختيار اللّه تعالى أحدا من عباده نبيّا ، والعلم موقوف على من يتعرّض له ويتعلّمه .
على أنّ زكريّا عليه السّلام إنّما سأل وليّا من ولده يحجب مواليه - كما هو صريح الآية - من بني عمّه وعصبته من الميراث ، وذلك لا يليق إلّا بالمال ، ولا معنى لحجب الموالي عن النبوّة والعلم .
ثمّ إنّ اشتراطه عليه السّلام في وليّه الوارث كونه رضيّا بقوله :
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
« 4 » لا يليق بالنبوّة ؛ إذ العصمة والقداسة في النفسيّات والملكات لا تفارق الأنبياء ؛ فلا محصّل عندئذ لمسألته ذلك . نعم ، يتمّ هذا في المال ومن يرثه ؛ فإنّ وارثه قد يكون رضيّا وقد لا يكون .
وأمّا كون الحكم من خاصّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فالقول به يستلزم تخصيص
هامش
( 1 ) - في ص 238 - 246 من كتابنا هذا .
( 2 ) - النمل : 16 .
( 3 ) - مريم : 5 و 6 .
( 4 ) - مريم : 6 .