تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وفاته بخمسة عشر يوما . انفقأت عيناه إلى داخل ، فكان ماؤهما يسيل من أنفه . واحتاج في الآخر إلى زوجة فباع الدابة ، واستعان بما يصرفه لعلفها في حق الزوجة . واتفق أن أباها وجد الجرة التي يشرب منها الشيخ قد وصلتها الشمس ، فحولها إلى الظل ، وكانت طريقة الشيخ تقتضي أن هذا القدر يمنعه من الانتفاع لأنه يرى بها منفعة لم يعاوض عليها . فلما استدعى الماء قالت له الزوجة : ما هاهنا ماء تشربه . فسألها عن القضية فأخبرته ، فأعجبه نصحها ، وبات وأصبح صائما ، وطوى حتى جاء الذي كان يستقي له . سألته كم لك ما أوقدت عليك سراجا ؟ فقال : نحو من ستين سنة ، ما تركته عن علم بما ورد في الحديث ، والبيوت ليس فيها مصابيح . ولكن بلغني بعد . وإنني لما انقطعت عن الناس اتفق ليلة أن السراج انطفأ لعارض ، فوجدت نفسي قد استوحشت لفقده فقلت لها : تري هذا شغلا معتبرا وأنسا منقطعا ، لا حاجة لي فيه . وكنت بمكة شابا وإلى جانبي جندي ، فلما كان الليل سمعته يقدح وبيننا كوة ، فأغمضت عيني ليلتي كلها . وكان يقول : الدنيا دار أسباب ، من زعم أن التوكل إسقاط السبب بالكلية فهو غالط . وقال : قال لي صوفي : نحن ما نرى الأسباب ، فقلت له : ما صدقت ، لو صفع الأبعد إنسان أكنت لا تراه البتة ولا يؤثر فعله فيك ؟ فسكت . فقال : أما أنا فأرى الأسباب لكن ما أقف عندها . خرج إلى الشيخ وزير والساقية تدور بالدولاب ، فأراد أن يبسط المجلس فقال : يا سيدي أيش ترى في بغلتي ندورها في الساقية ؟ فقال له : ولا أنت ما أرى أن أدورك فيها . فانبسط الرجل ؛ ثم قال الشيخ على عادته : ارحلوا . فقال الوزير : لماذا تطردنا ؟ قال : لأن القعود معكم ضياع . وخرج إليه أكابر فقال واحد منهم : هذا طبيب السلطان ، يعني الكامل . فقال الطبيب : ما نحن أطباء بل نحن أعلاء ، إنما الأطباء الأولياء .
تاريخ الإسلام — صفحة 135 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري