تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وقل أن يكون صندوق عند أحد من التجار والمعتبرين إلا وفيه من ذلك الفول . لأنه أخذ منه بعضهم عشر فولات . وكانت له إحدى عشرة شدة ، فوضع في كل شدة فولة وبقيت شدة لم يضع فيها ، فاتفقت له جائحة في الطريق أصابت الشدة وحدها وحمى الله البواقي . فلما أكثر الناس الحكاية عنه تركه وأقتات بالشعير . وقد تجذم في أكل الفول وتفتت جسمه ، وكان صديده يغلب الماء . ويقي مدة . وقيل : ما عليه أضر من الفول فإنه يولد السوداء . فقال : إن الذي جعله داء قادر على جعله دواء . ولم يزل يستعمله حتى عوفي . فكان يحكي ذلك ، ويقلب بدنه ويقول لي : هل ترى له أثرا أو شرا ؟ فلا أرى شيئا . وكان لا يشرب من صهاريج السبيل ، وقال لي : هذه الأمور صدقات ، والصدقات أوساخ الناس ، واجتنابها مأثور . وقال لي : أقمت أربعة أيام لا أجد ما أشتريه فطويتها ، ولم أجد جوعا سوى تغير يسير في الصوت . وكان لا يخرج بحماره إلا مكمما . وقال لي : دخلت البلد زمن الصبا فوقفت عند حداد والمقود بيدي ، فلم أشعر إلا ورجل أراني طرف ردائه قد مضغه الحمار فقرض منه ، فأعطيته قيمة ما أفسد فقال : تصدق بها علي . فقلت : لا . ومذهبنا أن المديان إذا قال له رب الدين لا أجده وأنا أسقطه عنك ، فقال لا أجد شيئا أجبر رب الدين على القبض ، وللمديان حقا في خلاص ذمته بلا منة . وكان يقول مع ذلك : لا أحرم غير الحرام ، لكن لي أن أترك ما شئت تركه من المباحات عندهم ، والمشتبهات عندي ، فنحن على وفاق . قال المؤلف : وكان في مبدأ أمره بمكة وقد نهب العراقي في بعض السنين ، فامتنع حينئذ من معامل أهل مكة مطلقا ، وبقي يقتات الأرز مسلوقا من الأرز المجلوب ، حتى قرحت أشداقه ، وإلى أن أقعد ومرض .
تاريخ الإسلام — صفحة 132 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري