تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
أتيت على أكثر ما في ' رسالة القشيري ' فقال لي يوما : ما أحب أسمع شيئا خارجا عن الكتاب والسنة وكلام الفقهاء . وكان يمكن الأطفال من دخول بستانه ، فإذا ميز الطفل حجبه ، ويقول : من أدعى أنه معصوم فقد أدعى ما ليس له في الغيب . وكان يقول : سبق إلى ذهني في مبدأ العمر اختيار بستان في الرمل من متروك أبي أنقطع فيه ، لأجل أن ماءه نبع ، وأستريح من شية ماء النيل وإجرائه في الخليج بعمل . فمنعني من ذلك أن الحريم يكثرن هناك ، ولا يستتر بعضهن ، ولا يسلم المقيم من النظرة . فلما كثر الفساد صار الناس يقصدونه في الربيع للنيرة والخضرة ، فما زالوا حتى انتزح هذا الماء عنه بالكلية ، وبقي صفصفا موحشا . وكان أنشأ فيه تينا ورمانا وزرجونا ، كان الناظر يقضي منه العجب ، إلا أنه ما باع منه ثمرة ، فكان يقدد التين ، ويتخذ من الرمان عسلا يستغني به عن العسل ، ويتخذ من العنب خلا وزبيبا ، فعزم بعد على قطع الكرم لئلا ينتقل إلى من يبيعه للذمة عصيرا ، فقيل له : قطعه إضاعة مال متيقن لأجل مفسدة موهومة . فتوقف وفي نفسه حسكة . فاتفق أن النيل تأخر عنه فيبس فقلعه . وقال لي : وعوضني الله عن تلك الثمار بالشعير والفول . ومن نوادره أنه وجد في قمح اشتراه من الفرنج حبات تشبه الشعير ، نحو حفنة ، فازدرعها ، وأقام يقتات منها مدة عشرين سنة . وكان يعجبه أنها متميزة في نباتها وفي سنبلها . وكان إذا حصدها نقاها سنبلة سنبلة ، فإن وجد غريبة تركها ، وكذا كان شأنه فيما سقط من الثمار لا يتناوله ، لاحتمال أن الطير نقلته . وأما النخل الملاصق لجيرانه فكان يبيحه لهم . وكذا لما بنى بينهما حائطا احتاط ، وأخرج من أرضه قطعة لهم .
تاريخ الإسلام — صفحة 128 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري