ما تحتاج . ويقول لآخر : ما أشتهي لأحد من الأمة إلا خيرا . ويقول لآخر :
أود لو كان الناس كلهم على الخير . ويقول لآخر : أحب لكل أحد ما أحبه
لنفسي .
قال ابن المنير : وقال لي مرة : يطلب أحدهم مني الدعاء بلسانه ، ويظهر
لي من قرائن أحواله أن قلبه غافل وأن نفسه قاسية على نفسه ، فكيف أرق أنا
عليه ، وكيف أدعو له بلا رقة ؟ !
قال : وحضر عندي بعض أصحاب الكامل ، وهو في غاية البذخ ، عليه
الملبوس الفاخر ، وعلى الباب المراكب الثمينة ، وبين يديه المماليك ، وهو
يتحدث مع رفيقه ويتضاحكان ، ثم سألني الدعاء ، فأجريته على العادة ،
فناقشني وقال : ما الناس إلا يتحدثون بأنك لا تدعو لأحد معين ، وينتقدون
ذلك .
فقلت : ألست تعلم أن الدعاء طلب العبد الضعيف من الرب الرحيم ؟
قال بلى .
فقلت : أيطلب منه برقة أم بقسوة ؟
قال : برقة .
فقلت : ما أجدها عليك ، لأني ما وجدتها منك ، فبأي لسان أدعو ، وإن
شئتم الدعاء باللسان فهو البيدق الفارغ بلا قلب .
وقال : أقمت زمانا أصافح تمسكا بالحديث ، ثم وجدت النفس عند
المصافحة تتصرف في الإنسان فرب ودود تبسط الكف له بسرعة ، ورب آخر
تتكلف له ، فقلت العدل خير من المصافحة ، فتركتها . وقد قال مالك . ليست
من عمل الناس ، وربما قال : الأمر فيها واسع .
وكان رحمه الله لا يأذن لأحد من أرباب الدنيا والولايات في الدخول عليه
متى شاء .
قال لي : فتحت الباب فرأيت جنديا فقلت : من أنت ؟ قال : أنا الذي
تاريخ الإسلام — صفحة 126
مساهمون: الذهبي
ص١٢٦