على ما خالف ذلك ، لأنه حريص على ابتغاء مرضاة الله ، مجتهد في خلاص
نفسه . * ( ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * ، والله لا يسأل العبد لم لا أكلت
كل مباح ، بل يسأله لم أكلت الحرام ، ويسأله لماذا حرمت على نفسك ما أبحت
لك مع علمك بإباحتي له ، لا مع جهلك بالإباحة . هذا مع التسليم بأن الورع
بالعلم أفضل وأرفع ، وذلك حال الأنبياء صلوات الله عليهم ، مع أنه لهم فيه
شرائع وطرائف كطريقة سليمان عليه السلام في الملك والإكثار من مباحات
الدنيا ، وكطريقة عيسى عليه السلام في السياحة والإعراض عن الدنيا بكل
وجه ، وكطريقة داود في أمور ، وطريقة إبراهيم الخليل في قرى الضيف ، وأشرف
طرقهم وأفضلها طريقة نبينا صلى الله عليه وسلم ، فإنها حنيفية إبراهيمية سمحة ، سهلة ، بريئة
من الغلو والتعمق والتنطع . اللهم استعملنا بها ، وأمتنا على محبتها ، وأكفنا
الوقيعة في عبادك الصالحين .
فمن مناقب القباري ، رحمة الله عليه :
قال العلامة ناصر الدين أبو العباس أحمد بن المنير الإسكندراني في ' مناقب
القباري ' رحمة الله عليه ، وهي نحو من خمسة كراريس ، قال : كان الشيخ في
مبدأه قد حبب إليه سماع العلم ، وبغض إليه تناول غير ميراثه من أبيه ، فلا
يذكر منذ عقل أمره أنه قبل من أحد لقمة ولا ثمرة . حتى كان له جار في الكرم
وقف به يوما وهو يبيع الرطب ، فعرض عليه رطبة استحسنها وسأله أن
يأكلها ، فقال : لا . فألح عليه ، وحلف عليه جاره يمينا : لا آكل لك شيئا .
فكان بعد يتأسف ويتندم على يمينه .
قال : وكان يحضر مجالس العلم على ثقل سمعه ، فإذا انقضى الدرس سأل
من أترابه أن يعيدوا له بصوت عال كلام المدرس .
قال : وكان قل أن يدعو لأحد ، بل يطلب منه الدعاء ، فيقول للطالب :
تاريخ الإسلام — صفحة 125
مساهمون: الذهبي
ص١٢٥