وأيضاً فتقديره : فعليه سنة الله بضمير الغيبة ، ولا يجوز ذلك في الإغراء ، إذ لا يغرى غائب . وما جاء من قولهم : عليه رجلاً ، ليسنى له تأويل ، وهو مع ذلك نادر . و * ( الَّذِينَ خَلَوْاْ ) * : الأنبياء ، بدليل وصفهم بعد قوله : * ( الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ ) * . * ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ ) * : أي مأموراته ، والكائنات من أمره ، فهي مقدورة . وقوله : * ( قَدْراً ) * : أي ذا قدر ، أو عن قدر ، أو قضاء مقضياً وحكماً مثبوتاً . و * ( الَّذِينَ ) * : صفة الذين خلوا ، أو مرفوع ، أو منصوب على إضمارهم ، أو على أمدح . وقرأ عبد الله : الذين بلغوا ، جعله فعلاً ماضياً . وقرأ أبي : رسالة الله على التوحيد ؛ والجمهور : يبلغون رسالات جمعاً . * ( وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ) * : أي محاسباً على جميع الأعمال والعقائد ، أو محسباً : أي كافياً .
ثم نفى تعالى كون رسوله * ( أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ ) * ، بينه وبين من تبناه من حرمة الصهارة والنكاح ما يثبت بين الأب وولده . هذا مقصود هذه الجملة ، وليس المقصود أنه لم يكن له ولد ، فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا ، ولا في أمر الحسن والحسين بأنهما كانا طفلين . وإضافة رجالكم إلى ضمير المخاطبين يخرج من كان من بنيه ، لأنهم رجاله ، لا رجال المخاطبين . وقرأ الجمهور ؛ * ( وَلَاكِن رَّسُولَ ) * ، بتخفيف لكن ونصب رسول على إضمار كان ، لدلالة كان المتقدّمة عليه ؛ قيل : أو على العطف على * ( أَبَا أَحَدٍ ) * . وقرأ عبد الوارث ، عن أبي عمرو : بالتشديد والنصب على أنه خبر لكن ، والخبر محذوف تقديره : * ( وَلَاكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ ) * هو ، أي محمد صلى الله عليه وسلم ) . وحذف خبر لكن وأخواتها جائز إذا دل عليه الدليل . ومما جاء في ذلك قول الشاعر :
* فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي
*
ولكنّ زنجياً عظيم المشافر
*
أي : أنت لا تعرف قرابتي . وقرأ زيد بن علي ، وابن أبي عبلة : بالتخفيف ، ورفع ورسوله وخاتم ، أي ولكن هو رسول الله ، كما قال الشاعر :
* ولست الشاعر السقاف فيهم
*
ولكن مدرة الحرب العوال
*
أي : لكن أنا مدرة . وقرأ الجمهور : * ( * خاتم ) * ، بكسر التاء ، بمعنى أنه ختمهم ، أي جاء آخرهم . وروي عنه أنه قال : أنا خاتم نبي ، وعنه : أنا خاتم النبيين في حديث واللبنة . وروي عنه ، عليه السلام ، ألفاظ تقتضي نصاً أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ) ، والمعنى أن لا يتنبأ أحد بعده ، ولا يرد نزول عيسى آخر الزمان ، لأنه ممن نبىء قبله ، وينزل عاملاً على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ) مصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته . قال ابن عطية : وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى بالهداية ، من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف ، وما ذكره الغزالي في هذه الآية ، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بالاقتصاد ، وتطرق إلى ترك تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد صلى الله عليه وسلم ) النبوة ، فالحذر الحذر منه ، والله الهادي برحمته . وقرأ الحسن ، والشعبي ، وزيد بن علي ، والأعرج : بخلاف ؛ وعاصم : بفتح التاء بمعنى : أنهم به ختموا ، فهو كالخاتم والطابع لهم .
ومن ذهب
تفسير البحر المحيط — صفحة 228
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٢٨