تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع ، أو إلى أن الولي أفضل من النبي ، فهو زنديق يجب قتله . وقد ادعى النبوة ناس ، فقتلهم المسلمون على ذلك . وكان في عصرنا شخص من الفقراء ادعى النبوة بمدينة مالقة ، فقتله السلطان بن الأحمر ، ملك الأندلس بغرناطة ، وصلب إلى أن تناثر لحمه . * ( النَّبِيّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً ) * : هذا عام ، والقصد هنا علمه تعالى بما رآه الأصلح لرسوله ، وبما قدّره في الأمر كله ، ثم أمر المؤمنين بذكره بالثناء عليه وتحميده وتقديسه ، وتنزيهه عما لا يليق به . والذكر الكثير ، قال ابن عباس : أن لا ينساه أبداً ، أو التسبيح مندرج في الذكر ، لكنه خص بأنه ينزهه تعالى عما لا يليق به ، فهو أفضل ، أو من أفضل الأذكار . وعن قتادة : قولوا سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . وعن مجاهد : هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب . و * ( بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) * : يقتضيهما اذكروا وسبحوا ، والنصب بالثاني على طريق الإعمال ، والوقتان كناية عن جميع الزمان ، ذكر الطرفين إشعار بالاستغراق . وقال ابن عباس : أي صلوا صلاة الفجر والعشاء . وقال الأخفش : ما بين العصر إلى العشاء . وقال قتادة : الإشارة بهذين الوقتين إلى صلاة الغداة وصلاة العصر ؛ ويجوز أن يكون الأمر بالذكر وإكثارة تكثير الطاعات والإقبال على الطاعات ، فإن كل طاعة وكل خير من جملة الذكر . ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وأصيلاً ، وهي الصلاة في جميع أوقاتها ، تفضل الصلاة غيرها ، أو صلاة الفجر والعشاء ، لأن أداءهما أشق . ولما أمرهم بالذكر والتسبيح ، ذكر إحسانه تعالى بصلاته عليهم هو وملائكته . قال الحسن : * ( يُصَلّى عَلَيْكُمْ ) * : يرحمكم . وقال ابن جبير : يغفر لكم . وقال أبو العالية يثني عليكم . وقيل : يترأف بكم . وصلاة الملائكة الاستغفار ، كقوله تعالى : * ( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ) * . وقال مقاتل : الدعاء ، والمعنى : هو الذي يترحم عليكم ، حيث يدعوكم إلى الخير ، ويأمركم بإكثار الذكر والطاعة ، ليخرجكم من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة . وقال ابن زيد : من الضلالة إلى الهدى . وقال مقاتل : من الكفر إلى الإيمان . وقيل : من النار إلى الجنة ، حكاه الماوردي . وقيل : من القبور إلى البعث . * ( وَمَلَئِكَتُهُ ) * : معطوف على الضمير المرفوع المستكن في * ( يُصَلّى ) * ، فأغنى الفصل بالجار والمجرور عن التأكيد ، وصلاة الله غير صلاة الملائكة ، فكيف اشتركا في قدر مشترك ؟ وهو إرادة وصول الخير إليهم . فالله تعالى يريد برحمته إياهم إيصال الخير إليهم ، وملائكته يريدون بالاستغفار ذلك . وقال الزمخشري : جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة ، كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة ، ونظيره قولهم : حياك الله : أي أحياك وأبقاك ، وحييتك : أي دعوت لك بأن يحييك الله ، لأنك لاتكالك على إجابة دعوتك كأنك تبقيه على الحقيقة ؛ وكذلك عمرك الله وعمرتك ، وسقاك الله وسقيتك ، وعليه قوله ؛ * ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا * أَيُّهَا * الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ ) * : أي ادعوا له بأن يصلى عليه . * ( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) * : دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة . انتهى . وما ذكره من قوله ، كأنهم فاعلون فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وما ذكرناه من أن الصلاتين اشتركتا في قدر مشترك أولى . * ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ ) * : أي يوم القيامة . * ( سَلَامٌ ) * : أي تحية الله لهم . يقول للمؤمنين : السلام عليكم ، مرحباً بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري ، قاله الرقاشي . وقيل : يحييهم الملائكة بالسلامة من كل مكروه . وقال البراء بن عازب : معناه أن ملك الموت لا يقبض روح المؤمن حتى يسلم عليه . وقال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال : ربك يقرؤك السلام ، قيل : فعلى هذا الهاء في قوله : * ( يَلْقَوْنَهُ ) * كناية عن غير مذكور ، وقيل : سلام الملائكة عند خروجهم من القبور . وقال قتادة : يوم دخولهم الجنة يحيي بعضهم بعضاً بالسلام ، أي سلمنا وسلمت من كل مخوف . وقيل : تحييهم الملائكة يومئذ . وقيل : هو سلام ملك الموت والملائكة معه عليهم ، وبشارتهم بالجنة . والتحية مصدر في هذه الأقوال أضيف إلى المفعول ، إلا في قول من قال إنه مصدر مضاف للمحيي والمحيا ، لا على جهة العمل ، لأن الضمير الواحد لا يكون فاعلاً مفعولاً ، ولكنه كقوله : * ( وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ) * : أي للحكم الذي جرى بينهم ، وليبعث إليهم ، فكذلك هذه التحية الجارية بينهم هي سلام . وفرق المبرد بين
تفسير البحر المحيط — صفحة 229 | أبي حيان الأندلسي / الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض / زكريا عبد المجيد النوقي و أحمد النجولي الجمل