التحية والسلام فقال : التحية يكون ذلك دعاء ، والسلام مخصوص ، ومنه : * ( وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً ) * . والأجر الكريم : الجنة ، * ( شَاهِداً ) * على من بعثت إليهم ، وعلى تكذيبهم وتصديقهم ، أي مفعولاً قولك عند الله ، وشاهداً بالتبليغ إليهم ، وبتبليغ الأنبياء قولك . وانتصب * ( شَاهِداً ) * على أنه حال مقدّرة ، إذا كان قولك عند الله وقت الإرسال لم يكن شاهداً عليهم ، وإنما يكون شاهداً عند تحمل الشهادة وعند أدائها ، أو لأنه أقرب زمان البعثة ، وإيمان من آمن وتكذيب من كذب كان ذلك وقع في زمان واحد .
* ( وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ ) * ، قال ابن عباس : شهادة أن لا إله إلا الله . وقال ابن عيسى : إلى الطاعة . * ( بِإِذْنِهِ ) * : أي بتسهيله وتيسيره ، ولا يراد به حقيقة الإذن ، لأنه قد فهم في قوله : إنا أرسلناك داعياً أنه مأذون له في الدعاء . ولما كان دعاء المشرك إلى التوحيد صعباً جداً ، قيل : بإذنه ، أي بتسهيله تعالى . و * ( سِرَاجاً * مُّنِيراً ) * : جلي من ظلمات الشرك ، واهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير . ويهتدى به إذا مد الله بنور نبوته نور البصائر ، كما يمد بنور السراج نور الأبصار . ووصفه بالإنارة ، لأن من السراج ما لا يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته . وقال الزجاج : هو معطوف على * ( شَاهِداً ) * ، أي وذا سراج منير ، أي كتاب نير . وقال الفراء : إن شئت كان نصباً على معنى : وتالياً سراجاً منيراً . وقال الزمخشري ؛ ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كاف * ( أَرْسَلْنَاكَ ) * . انتهى . ولا يتضح هذا الذي قاله ، إذ يصير المعنى : أرسلنا ذا سراج منير ، وهو القرآن . ولا يوصف بالإرسال القرآن ، إنما يوصف بالإنزال . وكذلك أيضاً إذا كان التقدير : وتالياً ، يصير المعنى : أرسلنا تالياً سراجاً منيراً ، ففيه عطف الصفة التي للذات على الذات ، كقولك : رأيت زيداً والعالم . إذا كان العالم صفة لزيد ، والعطف مشعر بالتغاير ، لا يحسن مثل هذا التخريج في كلام الله ، وثم حمل على ما تقتضيه الفصاحة والبلاغة .
ولما ذكر تعالى أنه أرسل نبيه * ( شَاهِداً ) * إلى آخره ، تضمن ذلك الأمر بتلك الأحوال ، فكأنه قال ؛ فاشهد وبشر وأنذر وادع وانه ، ثم قال ؛ * ( وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) * ؛ فهذا متصل بما قبله من جهة المعنى ، وإن كان يظهر أنه منقطع من الذي قبله . والفضل الكبير الثواب من قولهم : للعطايا فضول وفواضل ، أو المزيد على الثواب . وإذا ذكر المتفضل به وكبره ، فما ظنك بالثواب ؟ أو ما فضلوا به على سائر الأمم ، وذلك من جهته تعالى ، أو الجنة وما أوتوا فيها ، ويفسره : * ( وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) * . * ( وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) * : نهى له عليه السلام عن السماع منهم في أشياء كانوا يطلبونها مما لا يجب ، وفي أشياء ينتصحون بها وهي غش . * ( وَدَعْ أَذَاهُمْ ) * : الظاهر إضافته إلى المفعول . لما نهى عن طاعتهم ، أمر بتركه إذا يتهم وعقوبتهم ، ونسخ منه ما يخص الكافرين بآية السيف . * ( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) * ، فإنه ينصرك ويخذلهم . ويجوز أن يكون مصدراً مضافاً للفاعل ، أي ودع إذايتهم إياك ، أي مجازاة الإذاية من عقاب وغيره حتى تؤمر ، وهذا تأويل مجاهد .
* ( وَكِيلاً ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ وَسَرّحُوهُنَّ ) * .
لما ذكر تعالى قصة زيد وزينب وتطليقه إياها ، وكانت مدخولاً بها ، واعتدت ، وخطبها الرسول ، عليه السلام ، بعد انقضاء عدتها ، بين حال من طلقت قبل المسيس ، وأنها لا عدة عليها .
ومعنى * ( نَكَحْتُمُ ) * : عقدتم عليهن . وسمى العقد نكاحاً لأنه سبب إليه ، كما سميت الخمر إثماً لأنها سبب له . قالوا : ولفظ النكاح في كتاب الله لم يرد إلا في العقد ، وهو من
تفسير البحر المحيط — صفحة 230
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٣٠