تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
يعم في سياق النفي ، جاء الضمير مجموعاً على المعنى في قوله : * ( لَهُمْ ) * ، مغلباً فيه المذكر على المؤنث . وقال الزمخشري : كان من حق الضمير أن يوحد ، كما تقول : ما جاءني من رجل ولا امرأة إلا كان من شأنه كذا . انتهى . ليس كما ذكر ، لأن هذا عطف بالواو ، فلا يجوز إفراد الضمير إلا على تأويل الحذف ، أي : ما جاءني من رجل إلا كان من شأنه كذا ، وتقول : ما جاء زيد ولا عمرو إلا ضرباً خالداً ، ولا يجوز إلا ضرب إلا على الحذف ، كما قلنا . * ( وَإِذْ تَقُولُ ) * : الخطاب للرسول ، عليه السلام . * ( لِلَّذِى أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) * ، بالإسلام ، وهو أجل النعم ، وهو زيد بن حارثة الذي كان الرسول تبناه . * ( وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ) * : وهو عتقه ، وتقدّم طرف من قصته في أوائل السورة . * ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) * : وهي زينب بنت جحش ، وتقدّم أن الرسول كان خطبها له . وقيل : أنعم الله عليه بصحبتك ومودتك ، وأنعمت عليه بتبنيه . فجاء زيد فقال : يا رسول الله ، إني أريد أن أفارق صاحبتي ، فقال : ( أرا بك منها شيء ) قال : لا والله ولكنها تعظم علي لشرفها وتؤذيني بلسانها ، فقال : ( * ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) * ) ، أي لا تطلقها ، وهو أمر ندب ، ( * ( وَاتَّقِ اللَّهَ ) * في معاشرتها ) . فطلقها ، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، بعد انقضاء عدّتها . وعلل تزويجه إياها بقوله : * ( لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ) * في أن يتزوجوا زوجات من كانوا تبنوه إذا فارقوهن ، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم في قوله : * ( وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ ) * . وقال علي بن الحسين : كان قد أوحى الله إليه أن زيداً سيطلقها ، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها . فلما شكا زيد خلقها ، وأنها لا تطيعه ، وأعلمه بأنه يريد طلاقها ، قال : له ( * ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ) * ) ، على طريق الأدب والوصية ، وهو يعلم أنه سيطلقها . وهذا هو الذي أخفي في نفسه ، ولم يرد أنه يأمره بالطلاق . ولما علم من أنه سيطلقها ، وخشي رسول الله أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد ، وهو مولاه ، وقد أمره بطلاقها ، فعاتبه الله على هذا القدر في شيء قد أباحه الله بأن قال ؛ * ( أَمْسِكْ ) * ، مع علمه أنه يطلق ، فأعلمه أن الله أحق بالخشية ، أي في كل حال . انتهى . وهذا المروي عن علي بن الحسين ، هو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين ، كالزهري ، وبكر بن العلاء ، والقشيري ، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم . والمراد بقوله : * ( وَتَخْشَى النَّاسَ ) * ، إنما هو إرجاف المنافقين في تزويج نساء الأنبياء ، والنبي صلى الله عليه وسلم ) معصوم في حركاته وسكناته . ولبعض المفسرين كلام في الآية يقتضي النقص من منصب النبوة ، ضربنا عنه صفحاً . وقيل ؛ قوله * ( وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ) * : خطاب من الله عز وجل ، أو من النبي صلى الله عليه وسلم ) لزيد ، فإنه أخفى الميل إليها ، وأظهر الرغبة عنها ، لما توهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أراد أن تكون من نسائه . انتهى . وللزمخشري : في هذه الآية كلام طويل ، وبعضه لا يليق ذكره بما فيه غير صواب مما جرى فيه على مذهب الاعتزال وغيره ، واخترت منه ما أنصه . قال : كم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحيي من اطلاع الناس عليه ، وهو في نفسه مباح متسع وحلال مطلق ، لا مقال فيه ولا عيب عند الله . وربما كان الدخول في ذلك المباح سلماً إلى حصول واجبات ، لعظم أثرها في الدين ، ويجل ثوابها ، ولو لم يتحفظ منه ، لأطلق كثير من الناس فيه ألسنتهم ، إلا من أوتي فضلاً وعلماً وديناً ونظراً في حقائق الأشياء ولبابها دون قشورها . ألا ترى أنهم كانوا إذا طمعوا في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، بقوا مرتكزين في مجالسهم لا يديمون مستأنسين بالحديث . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يؤذيه قعودهم ، ويضيق صدره حديثهم ، والحياء يصدّه أن يأمرهم بالانتشار حتى نزلت : * ( يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى ) * . ولو أبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم ) مكنون ضميره ، وأمرهم أن ينتشروا ، لشق عليهم ، ولكان بعض المقالة . فهذا من ذلك القبيل ، لأن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته ، من امرأة أو غيرها ، غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع . وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضاً ، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ، ولا طلب إليه . ولم يكن مستنكراً عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه ، ولا مستهجناً إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر . فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة ، استهم الأنصار بكل شيء ، حتى أن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجر . وإذا كان الأمر مباحاً من جميع جهاته ، ولم يكن فيه وجه من وجوه القبح ، ولا مفسدة ولا مضرة بزيد ولا بأحد ، بل كان مستجراً مصالح ؛ ناهيك