الوحي ، وأمرهن أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين : وهو آيات بينات تدل على صدق النبوة ، لأنه معجز بنظمه ، وهو حكمة وعلوم وشرائع . * ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) * ، حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم فأنزله عليكم ، أو علم من يصلح لنبوته ومن يصلح لأن تكونوا أهل بيته ، أو حيث جعل الكلام جامعاً بين الغرضين . انتهى . واتصال * ( وَاذْكُرْنَ ) * بما قبله يدل على أنهن من البيت ، ومن لم يدخلهن قال : هي ابتداء مخاطبة . * ( وَاذْكُرْنَ ) * ، إما بمعنى احفظن وتذكرنه ، وإما اذكرنه لغيركن واروينه حتى ينقل . و * ( مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ) * : هو القرآن ، * ( وَالْحِكْمَةِ ) * : هي ما كان من حديثه وسنته ، عليه الصلاة والسلام ، غير القرآن ، ويحتمل أن يكون وصفاً للآيات . وفي قوله : * ( لَطِيفاً ) * ، تليين ، وفي * ( خَبِيراً ) * ، تحذير مّا . وقرأ زيد بن علي : ما تتلى بتاء التأنيث ، والجمهور : بالياء .
وروي أن نساءه عليه الصلاة والسلام ، قلن : يا رسول الله ، ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكرنا ؛ وقيل : السائلة أم سلمة . وقيل : لما نزل في نسائه ما نزل ، قال نساء المسلمين : فما نزل فينا شيء ، فنزلت : * ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ ) * الآية ، وهذه الأوصاف العشرة تقدّم شرحها ، فبدأ أولاً بالانقياد الظاهر ، ثم بالتصديق ، ثم بالأوصاف التي بعدهما تندرج في الإسلام وهو الانقياد ، وفي الإيمان وهو التصديق ، ثم ختمها بخلة المراقبة وهي ذكر الله كثيراً . ولم يذكر لهذه الأوصاف متعلقاً إلا في قوله : * ( وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالذكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً ) * ، نص على متعلق الحفظ لكونه منزلة العقلاء ومركب الشهوة الغالبة ، وعلى متعلق الذكر بالاسم الأعظم ، وهو لفظ الله ، إذ هو العلم المحتوي على جميع أوصافه ، ليتذكر المسلم من تذكره ، وهو الله تعالى ، وحذف من الحافظات والذاكرات المفعول لدلالة ما تقدّم ، والتقدير : والحافظاتها والذاكراته . * ( أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ ) * : غلب الذكور ، فجمع الإناث معهم وأدرجهم في الضمير ، ولم يأت التركيب لهم ولهن .
* ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ) * .
قال الجمهور ، وابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد ، وغيرهم : خطب الرسول لزيد زينب بنت جحش ، فأبت وقالت : لست بناكحة ، فقال : ( بلى فأنكحيه فقد رضيته لك ) ، فأبت ، فنزلت . وذكر أنها وأخاها عبد الله كرها ذلك ، فلما نزلت الآية رضيا . وقال ابن زيد : وهبت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وهي أول امرأة وهبت للنبي صلى الله عليه وسلم ) نفسها ، فقال : ( قد قبلتك وزوجتك زيد بن حارثة ) ، فسخطت هي وأخوها ، قالا : إنما أردناه فزوجنا عبده ، فنزلت ، والسبب الأول أصح . ومناسبة هذه الآية أنه لما ذكر تلك الأوصاف السابقة من الإسلام فما بعده ، عقب ذلك بما صدر من بعض المسلمين ، إذ أشار الرسول بأمر وقع منهم الإباء له ، فأنكر عليهم ، إذ طاعته ، عليه السلام ، من طاعة الله ، وأمره من أمره .
و * ( الْخِيَرَةُ ) * : مصدر من تخير على غير قياس ، كالطيرة من تطير . وقرئ : بسكون الياء ، ذكره عيسى بن سليمان . وقرأ الحرميان ، والعربيان ، وأبو جعفر ، وشيبة ، والأعرج ، وعيسى : أن تكون ، بتاء التأنيث ؛ والكوفيون ، والحسن ، والأعمش ، والسلمي : بالياء . ولما كان قوله : * ( لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ) *
تفسير البحر المحيط — صفحة 225
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٢٥