تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
أي حَفْصَةُ ! أتُغَاضِبُ إحْدَاكُنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم اليَوْمَ حتَّى اللَّيْل ؟ قالت : نعَمْ فقُلْتُ : قَدْ خِبْتُ وخَسِرْتِ أفَتَأْمَنِينَ أن يَغْضَبَ الله لِغَضَبِ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم فتَهْلِكِي ؟ لا تَسْتَكْثِري النبيَّ صلى الله عليه وسلم ولا تُرَاجِعيهِ في شَيْءٍ ولا تَهْجُرِيهِ ، وسَلِيْني ما بَدَا لَكِ ، ولا يَغُرَنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوضأ مِنْكِ وأحَبَّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ عائِشَةَ قال عُمَرُ : وكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الخَيْلَ لِغَزْونا ، فنَزَلَ صاحِبِي الأنصارِيُّ يوْمَ نْوَبَتِهِ فرَجَعَ إليْنا عِشاءً فَضَرَبَ بابي ضَرْبا شَدِيدا وقال : أثمَّ هُوَ ؟ فَفَزِعُتُ فَخَرَجْتُ إليْهِ ، فقال : قدْ حَدَثَ اليَوْمَ أمْرٌ عَظِيمٌ . قُلْتُ : ما هُوَ ؟ أجاءَ غَسانُ ؟ قال : لا بَلْ أعْظَمْ مِنْ ذالِكَ وأهْوَلُ طلَّقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نِساءَهُ . فقُلْتُ : خابَتْ حَفْصَةُ وخسِرَتْ ، قدْ كنْتُ أظُنُّ هاذَا يُوشِكُ أنْ يَكُون . فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابي فَصلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فدَخَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَشْرُبَةً لهُ فاعْتَزَلَ فِيها ، ودَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ فإذَا هِيَ تَبْكِي . فَقُلْتُ ما يُبْكِيكِ ؟ ألَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هاذا ؟ أطَلَّقَكُنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَتْ : لا أدْرِي ، ها هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ في المَشْرُبَةِ ، فخرَجْتُ فجِئْتُ إلى المنْبَرِ فإذا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ ، فجَلَسْتُ معَهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجدُ فجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتي فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فقُلْتُ لِغُلاَمٍ لهُ أسوَدَ اسْتأْذِنْ لِعُمَرَ فدَخَللَ الغُلاَمُ فكلَّمَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رجَعَ ، فقال : كَلَّمْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وذَكَرْتُك لَهُ فصَمَتَ ، فانْصَرَفْتُ حتَّى جلَسْتُ معَ الرَّهْطِ الّذِينَ عنْدَ المِنْبَرِ ، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجدُ فجئْتُ فقُلْتُ لِلْغُلاَمِ اسْتَأْذَنَ لِعُمَر ، فدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فقال : قد ذكَرْتُكَ لَهُ فصَمَتَ ، فرَجَعْتُ فجَلَسْتُ معَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ ، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجدُ فجِئتُ الغُلاَمَ ، فقُلْتُ : اسْتأذِنْ لِعُمَرَ فدَخَلَ ثُمَّ رجَعَ إلَيَّ فقال : قدْ ذكَرْتُكَ لهُ فصَمَتَ فَلمَّا ولَّيْتُ مُنْصَرِفا ، قال : إذا الغُلاَمُ يدْعُونِي ، فقال : قدْ أذِنَ لَكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فإذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمالِ حصيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فِرَاشٌ قدْ أثَّرَ الرِّمالُ بجَنْبِهِ مُتَّكِئا علَى وسادَةٍ مِنْ أدَمِ حَشْوُها لِيفٌ ، فَسَلَّمْتُ علَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وأنا قائِمٌ : يا رسول الله ! أطلَّقْتَ نِساءَكَ ؟ فرَفَعَ إليَّ بَصَرَهُ فقال : لا . فقُلْتُ : الله أكبر ، ثُمَّ قُلْتُ وأنا قائِم : أسْتَأْنِسُ يا رسولَ الله ؟ لوْ رأيْتَنِي وكُنا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النَّساءَ ، فلَمّا قَدِمْنا المدينَةَ إذا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِساؤُهُمْ ، فتَبسَّمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قُلْتُ : يا رسولَ الله ! لوْ رأيْتَنِي ودَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ فقُلْتُ لَها لا يَغُرنَّكِ أن كانَتْ جارَتُكِ أوْضأ مِنْكِ وأحَبَّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، يُرِيدُ عائِشَةَ ، فَتَبَسَّمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تبَسُّمَةً أُخْرَى ، فجَلَسْتُ حِينَ رأيْتُهُ تبَسَّمَ فرَفَعْتُ بَصَرِي في بيْتِهِ ، فوالله ما رأيْتُ في بيْتِهِ شَيئا يرُدُّ البَصر غيْرَ أهَبَةٍ ثَلاثَةٍ ، فقُلْتُ : يا رسولَ الله ! ادْعُ الله فَلْيُوَسِّعْ علَى أمَّتِكَ ، فإنَّ فارِسا والرُّومَ قدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وأعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لا يَعْبُدُونَ الله ، فجَلَسَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وكان مُتَّكِئا فقال : أوَ فِي هاذا أنْتَ يا ابنَ الخَطَّابِ ؟ إنَّ أُولئِكَ قَوْمٌ عُجِّلوا طَيِّباتِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا ، فقُلْتُ : يا رسولَ الله ! اسْتَغْفِرْ لِي . فاعْتَزَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نساءَهُ مِنْ