تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
عليه الصلاة والسلام : ( أنه لم يماكسه ليأخذ جمله ) ، فصح أن البيع لم يتم فيه ، فقط ، فإنما اشترط جابر ركوب جمل نفسه فقط ، وقول القرطبي ، وكيف يصنع قائله في قوله : ( بعته منك ) ، لا يرد على الطحاوي ، لأنه لا ينكر صورة البيع ، وإنما ينكر حقيقة البيع لما ذكرنا ، والقرطبي كيف يصنع بقوله : ( ترى أني حبستك لأذهب ببعيرك ؟ ) فإذا تأمل من له قريحة حادة ، يعلم أن التغيير والتحريف منه لا من الطحاوي ، وقد ذكر الإسماعيلي أيضاً أن النكتة في ذكر البيع أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أراد أن يبر جابر على وجه لا يحصل لغيره طمع في مثله ، فبايعه في جمله على اسم البيع : ليتوفر عليه بره ، ويبقى الجمل قائماً على ملك فيكون ذلك أهنأ لمعروفه . وقيل : حاصله أن الشرط لم يقع في نفس العقد ، وإنما وقع سابقاً ولاحقاً ، فتبرع بمنفعته أولاً ، كما تبرع برقبته آخراً . فإن قلت : وقع في كلام القاضي أبي الطيب الطبري من الشافعية إن في بعض طرق هذا الخبر : ( فلما نقدني الثمن شرطت حملاني إلى المدينة ) ، واستدل بها على أن الشرط تأخر عن العقد . قلت : هذه مجرد دعوى تحتاج إلى بيان ذلك ، على أنا ، وإن سلمنا ثبوت ذلك ، يحتاج إلى أن يؤول على أن معنى : نقدني الثمن ، أي : قرره لي ، واتفقنا على تعيينه ، لأن الروايات الصحيحة صريحة في أن قبضه الثمن إنما كان بالمدينة . وقال عُبَيْدُ الله وابنُ إسْحَاقَ عنْ وهْبٍ عنْ جابِرٍ اشْتَرَاهُ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِوَقِيَّةٍ عبيد الله هو ابن عمر العمري ، وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق ، ووهب هو ابن كيسان . أما تعليق عبيد الله فوصله البخاري في البيوع ، ولفظه : ( قال : أتبيع جملك ؟ قلت : نعم ، فاشتراه مني بأوقية ) . وأما تعليق ابن إسحاق فوصله أحمد وأبو يعلى والبزار بطوله وفي حديثهم : ( قال : قد أخذته بدرهم ، قلت : إذاً تغبنني يا رسول الله ! قال : فبدرهمين ؟ قلت : لا ، فلم يزل يرفع لي حتى بلغ أوقية . . . الحديث . وتابَعَهُ زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ جابِرٍ أي : تابع وهباً زيد بن أسلم عن جابر في ذكر الأوقية ، ووصل البيهقي هذه المتابعة . وقالَ ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ وغَيْرِهِ عنْ جَابِرٍ أخَذْتُهُ بِأرْبَعَةِ دَنانِيرَ وهاذا يَكُونُ وَقِيَّةً علَى حِسَابَ الدِّينَارِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، وهذا التعليق وصله البخاري في الوكالة . قوله : ( وهذا يكون . . . ) إلى آخره ، قيل : إنه من كلام البخاري ، وقال صاحب ( التوضيح ) : هذا من كلام عطاء . قلت : يحتمل هذا ، وهذا ، والأقرب أن يكون من كلام عطاء ، وقل بعضهم : ( الدينار ) مبتدأ ، وقوله : ( بعشرة ) ، خبره أي : دينار ذهب بعشر دراهم فضة . قلت : هذا تصرف عجيب ليس له وجه أصلاً ، لأن لفظ ( الدينار ) ، وقع مُضافاً إليه ، وهو مجرور بالإضافة ، ولا وجه لقطع لفظ حساب عن الإضافة ، ولا ضرورة إليه ، والمعنى أصبح ما يكون لأن معنى قوله : ( وهذا يكون وقية ) ، يعني : أربعة دنانير ، يكون وقية على حساب الدينار أي : الدينار الواحد بعشرة دراهم ، ولقد تعسف في تفسير الدينار بالذهب والدراهم بالفضة ، لأن الدينار لا يكون إلاَّ من الذهب ، والدراهم لا تكون إلاَّ من الفضة ، ولا خفاء في ذلك . ولَمْ يُبَيِّنِ الثَّمَنَ مُغِيرَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ وابنُ المُنْكَدِرِ وأبُو الزُّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ أشارَ بهذا إلى أن هؤلاء الثلاثة : الشعبي ومحمد بن المنكدر وأبو الزبير محمد بن مسلم لم يذكروا كمية الثمن في روايتهم عن جابر . قوله : ( وابن المنكدر ) ، بالرفع معطوف على المغيرة الذي هو مرفوع بقوله : ( لم يبين ) و ( الثمن ) ، بالنصب مفعوله ، أما رواية المغيرة عن الشعبي فتقدمت موصولة في الاستقراض ، وستأتي مطولة في الجهاد ، وليس فيها ذكر تعيين الثمن ، وكذا أخرجه مسلم والنسائي وغيرهما بلا ذكر الثمن . وأما رواية ابن المنكدر فوصلها الطبراني ، وليس فيها التعيين أيضاً . وأما رواية أبي الزبير فوصلها النسائي ولم يعين الثمن ، ولكن مسلماً أخرجه من طريقه وعين فيه الثمن . ولفظه : ( فبعته منه بخمس أواق على أن لي ظهره إلى المدينة ) .
عمدة القاري — صفحة 296 | العيني