وقوله : * ( فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ) * ، قالوا : بمعنى مرضية ، وراضية أصلها مرضية ، كما في قوله : * ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ) * ، إسناد الرضى للعيشة ، على أنها هي فاعلة الرضى ، لأن كلمة العيشة جامعة لنعيم الجنة وأسباب النعيم ، راضية طائعة لينة لأصحاب الجنة ، فتفجر لهم الأنهار طواعية ، وتدنو الثمار طواعية ، كما في قوله : * ( قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ) * .
فالقول الأول : هو المعروف في البلاغة بإطلاق المحل وإرادة الحال ، كقوله تعالى * ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ) * .
والنادي : مكان منتدى القوم ، أي ينادي بعضهم بعضاً للاجتماع فيه .
والمراد : من يحل في هذا النادي ، ويكون هنا أطلق المحل وهو محل العيشة ، وأراد الحال فيها .
وعلى الثاني : فهو إسناد حقيقي من إسناد الرضى لمن وقع منه أو قام به . ومما هو جدير بالذكر أن حمله على الأسلوب البياني ليس متجهاً كالآية الأخرى ، لأن العيشة ليست محلاً لغيرها بل هي حالة ، والمحل الحقيقي هو الجنة والعيشة حالة فيها ، وهي اسم لمعاني النعيم كما تقدم ، فيكون حمل الإسناد على الحقيقة أصح .
وقد جاءت الأحاديث : أن الجنة تحس بأهلها وتفرح بعمل الخير ، كما أنها تتزين وتبتهج في رمضان ، وأنها تناظرت مع النار . وكل يدلي بأهله وفرحه بهم ، حتى وعد الله كلاً بملئها .
ونصوص تلقي الحور والولدان والملائكة في الجنة لأهل الجنة بالرضى والتحية معلومة .
وقوله : * ( لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ) * ، أي لا يتأخر عنهم شيء .
وقوله : * ( وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) * .
وقوله : * ( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ) * .
وقاصرات الطرف عن رضى بأهلهن . ومنه * ( حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِى الْخِيَامِ ) * ، أي على أزواجهن .
أضواء البيان — صفحة 73
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٧٣