وَقْراً ) * . وقد بينا معنى كونهم لا يستطيعون السمع في أول سورة ( هود ) في الكلام على قوله تعالى : * ( يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ) * فأغنى عن إعادته هنا . وقد بينا أيضاً طرفاً من ذلك في الكلام على قوله تعالى في هذه السورة الكريمة : * ( إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىءَاذَانِهِمْ وَقْراً ) * وقد بين تعالى في موضع آخر : أن الغطاء المذكور الذي يغشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض الله لصاحبه شيطاناً فيجعله له قريناً . وذلك في قوله تعالى : * ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) * . قوله تعالى : * ( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى أَوْلِيَآءَ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ) * . الهمزة في قوله تعالى : * ( أَفَحَسِبَ ) * للإنكار والتوبيخ . وفي الآية حذف دل المقام عليه . قال بعض العلماء : تقدير المحذوف هو : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ، ولا أعاقبهم العقاب الشديدا كلاا ! بل سأعاقبهم على ذلك العقاب الشديد . بدليل قوله تعالى بعده : * ( إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ) * وقال بعض العلماء : تقديره : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياءا وأن ذلك ينفعهم . كلاا لا ينفعهم بل يضرهم . ويدل لهذا قوله تعالى عنهم : * ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) * وقوله عنهم : * ( وَيَقُولُونَ هَاؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ) * . ثم إنه تعالى بين بطلان ذلك بقوله : * ( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الاٌّ رْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * ، وما أنكره عليهم هنا من ظنهم أنهم يتخذون من دونه أولياء من عباده ولا يعاقبهم . أو أن ذلك ينفعهم جاء مبيناً في مواضع ، كقوله في أول سورة ( الأعراف ) : * ( اتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ) * . فقد نهاهم عن اتباع الأولياء من دونه في هذه الآية ، لأنه يضرهم ولا ينفعهم ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن من الأدلة على أنه لا ولي من دون الله لأحد ، وإنما الموالاة في الله ، كقوله : * ( وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِىٍّ ) * ، وقوله : * ( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) * ، وقوله : * ( وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِىٍّ ) * ، وقوله * ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِىٌّ ) * ، وقوله : * ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَواةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِىٌّ ) * ، ونحو ذلك من الآيات . وسيأتي له قريباً إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح وأمثلة . والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله ( عبادي ) أن المراد بهم نحو الملائكة
أضواء البيان — صفحة 348
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٤٨