إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاٌّ رْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ) * . قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة : ( ما عليها ) يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها .
وقال بعض العلماء : كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص . وعلى هذا القول فوجه كل الحيات وغيرها مما يؤدي زينة للأرض . لأنه يدل على وجود خالقه ، واتصافه بصفات الكمال والجلال ، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له .
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه ، كقوله تعالى : * ( ذالِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ) * . مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله * ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ ) * .
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة : * ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاٌّ رْضِ زِينَةً لَّهَا ) * قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه ، كقوله تعالى : * ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ) * ، وقوله : * ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ) * ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله في هذه الآية الكريمة : * ( صَعِيداً ) * أي أرضاً بيضاء لانبات بها . وقد قدمنا معنى ( الصعيد ) بشواهده العربية في سورة ( المائدة ) .
والجرز : الأرض التي لانبات بها كما قال تعالى : * ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الاٌّ رْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ) * ومنه قول ذي الرمة : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الاٌّ رْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ) * ومنه قول ذي الرمة :
* طوى النحز والأجراز ما في غروضها
* وما بقيت إلا الضلوع الجراشع
*
لأن مراده ( بالأجراز ) الفيافي التي لا نبات فيها ، والأجراز : جمع جرزة ، والجرزة : جمع جرز ، فهو جمع الجمع للجرز ، كما قاله الجوهري في صحاحه .
قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة * ( وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا ) * من هذه الزينة صعيداً أو جرزاً ، أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته ، وإماطة حسنه ، وإبطال ما به كان زينة من إماتة الحيوان ، وتجفيف
أضواء البيان — صفحة 203
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٠٣