فِي عِبادِي
، لأن
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
خطابٌ إلى النفس التي فرغت من الجهاد الأكبر ووردت عالَم الفتح والظفر ، وهو مقرّ الاطمئنان .
ولمّا كان هذا القدْر من الوصول إلى المقصد غير كافٍ ، فقد أمِر بالرجوع إلى ربّه . وقد ذكرنا تفصيل كيفيّة الرجوع . « 1 »
الهجرة العظمى والجهاد الأعظم
هامش
( 1 ) - يمكن القول بأنّ خطاب يَا أيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ هو خطاب للنفس التي فرغت من الجهاد الأكبر ووردت في عالم الظفر والفتح ، وسلّمت نفسها للحقّ تعالى ، وأدركت الإسلام الأعظم ، وبواسطة مشاهدة فنائها في قبال وجود ذات الحقّ واعترافها وإذعانها القلبيّ بهذا الأمر ، فقد بلغت مرتبة الإيمان الأعظم ( الذي هو مقرّ الاطمئنان ومحلّ السكينة والطمأنينة ) وحطّت رحالها في هذا الموضع ، وبعد ذلك جاءها خطاب ارْجِعِي إلى رَبِّكِ يأمرها بالهجرة من وجودها إلى وجود الحقّ ( الربّ ) ، إذ الرجوع بالهجرة أنسب .
ومعلوم أنّ السالك بعد هذه الهجرة ( وهي الهجرة العظمى التي ارتحل فيها من عالم النفس وحطّ رحاله في عالم الحقّ ) سيكون راضياً بقضاء وقدر الله التشريعيّ والتكوينيّ ، وأنّ أيّ مخالفة أو معصية لن تبدر منه ، وهو معنى رضا العبد عن الله تعالى . كما أنّ من المعلوم أنّ الله تعالى سيكون راضياً عن مثل هذا العبد الذي طوى طريق العبوديّة بكامله ، ولذلك ستتّصف نفس العبد بصفة « راضيةً مرضيّةً » .
بَيدَ أنّه لمّا كانت الآثار الوجوديّة للعبد غير منتفية تماماً ، فينبغي عليه الشروع بالجهاد الأعظم للقضاء على آثارها ، ولو كانت بقايا خفيّة . وحينذاك يتحقّق له معنى العبوديّة الذاتيّة ، وجملة « فَادْخُلِي في عِبَدِي » دالّة على هذا الجهاد الأعظم الذي هو الغاية القصوى لدرجة العبوديّة . وبعد ذلك يجب أن يزال هذا المَيْز في العبوديّة ، الذي أوجد لديه شائبة الاثنينيّة ، فيرد بواسطة الفناء المطلق في الذات الإلهيّة في عالم اللاهوت ( وهو عالم المُخلَصين ) الذي يُدعى جنّة الذات . ويدلّ على ذلك جملة « وَادْخُلِي جَنَّتِي » الواردة بعد جملة « فَادْخُلِي في عِبَدِي » .
وبعد الدخول في جنّة الذات ينتهي السير في العوالم الاثني عشر ، الذي هو « السير إلى الله تعالى » .
واعلمْ أنّ الله تعالى لم ينسب في قرآنه الكريم الجنّة إلى نفسه إلّا في هذا الموضع ، فعبّر عنها بلفظ « جنّتي » . وأعلى هذه الأقسام من الجنّات الثمانية يُدعى « جنّة الذات » .