الحقيقة أن كلام سيدة النساء عليها السلام كان بمثابة تذكيرٌ لهم بأن قيم ومفاهيم المحيط الإسلامي قد تغيرت وتبدلت بعد وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وآله ، وبسبب انحراف المزاج السليم لأرواح هذه المجموعة من المهاجرين والأنصار ، صار طعم القيم الإسلامية الحقيقة في أعماقهم مرّاً كالحنظل بعد أن كان لذيذاً كالعسل ، كما اعتبرت الشروط التي تشكل أهم مواصفات القائد الرباني القاطع الصارم عيباً ونقصاً له .
بعدها تستمر في حديثها منبّهةً إياهم أن تنحية عليٍّ عليه السلام عن الخلافة إنما هو كفران لنعمةٍ كبيرةٍ وموهبةٍ إلهيةٍ عظيمة ، علماً أنه أعلمُ الناس بآيات القرآن وبحلال اللَّه وحرامه .
فهو أعرف من غيره بالحق والباطل والقادر على الفصل بينهما ، ولو آلت إليه زمام الأمور لم يكن ليسمح لورثه الشرك ( آل أبي سفيان وهم أعدى أعداء الإسلام وأشد المخالفين للقرآن الكريم ) أن يطمعوا في الحكومة الإسلامية بهذه السرعة ، ويحولوها إلى جهازٍ حكوميٍّ مستبد ، وهو أسوأ وأظلم من حكومة كسرى وقيصر والفراعنة .
فإذا كانت أمورهم مودعةً في يد عليٍّ عليه السلام المتقدرة ، لأجلسهم مركب الحق المنيع ، ولهداهم بأمانٍ وهدوءٍ ومداراةٍ إلى نبع ماء الحياة ، ومن ثم لرواهم من ذلك النبع المتدفق ماءً عذباً زلالًا يمنح شاربيه حياةً أزليّة .
إن من شروط القائد الرباني هو حب الخير والعطف على الأمة ، فهل وجدوا أحداً أكثر عطفاً وشفقةً من عليٍّ عليه السلام ؟ الشخص الذي كرّس جهده في إشباع الجياع وإرواء العطاشى ، يتألم لآلامهم وهمومهم ، كما أن غمهم يعصر قلبه .
الشرط الآخر في مسألة الخلافة والإمامة هو الزهد وعدم الاغترار بالدنيا وجاهها ومالها ، فإن تعلّق قلب قائد الأمة بالدنيا صار من السهل
الزهراء ( ع ) سيدة نساء العالمين — صفحة 158
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٥٨