إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
أنّ الذي يكون على رأس سلسلة آل إبراهيم في آخر الزمان من التأريخ البشري هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ومن بعده الأئمّة الأطهار عليهم السلام ، فالآية كاشفة عن الصفوة المختارة « المصطَفين » ولا بدّ من القول على ضوء هذا المصداق :
الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
أنّها لا تعني سوى أئمّة الدين ، وأنّ هذه الآية هي المفسّرة والحاكمة علمياً على الآية التي نحن بصددها ، أي أنّها تفصح عن أنّ مصداق
الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
هم الأئمّة الأطهار عليهم السلام . وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّها خاصّة في الأئمّة عليهم السلام فقط ؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وإن كان من ذرّية آل إبراهيم ، إلّا أنّ الآية 30 قد حدّدت وضعه ، والآية اللاحقة تعيّن الصفوة المختارة بعد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله . سؤال : إذا كان الأئمّة الأطهار عليهم السلام هم
الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
فما مناسبة اختتام الآية بقوله :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
أي أنّ بعض هؤلاء المصطفين ظلمة ، فهل يظلم الأئمّة أنفسهم ؟ جواب : الضمير في « منهم » يعود إلى العباد لا إلى المصطفين ، ويؤيّده كلام المحقّق الطوسي في تفسيره للآية في إطار إثباته لرجوع الضمير « منهم » إلى العباد ، حيث قال : « لأنّ من اصطفاه اللَّه لا يكون ظالماً لنفسه » « 1 » ، إذن فهل من الممكن فرض كون المصطفين ظالمين لأنفسهم ؟ « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير التبيان 8 : 394 .
( 2 ) قد تبدو كلمة « عبادنا » واسعة تشمل كافّة عباد الحق تعالى ، إلّا أنّ إضافة العباد إلى ضمير الجمع « نا » تفيد خصوصية معيّنة : « عبادنا » ، فلا يستبعد القول بأنّها طائفة واسعة من أهل الرسالة والتي تستوعب « أهل البيت » ، ومن ينكر ذلك فلا يسعه أن ينكر روايتين بل عدّة روايات بهذا الشأن . فمعنى الآية بتفسير الأئمّة الأطهار عليهم السلام : أورثنا الكتاب صفوة من عبادنا من أهل البيت ، إلّا أنّ أهل البيت على ثلاث طوائف : طائفة تظلم نفسها وهي التي تتجاهل نسبها وتقلّد نخبتها من هذه الطائفة ، فهذه لا تكون من الأئمّة الأطهار ، وطائفة معتدلة ، وثالثة سابقة بالخيرات هادية في حركتها وهي تلك النخبة . هذا هو المراد من الآية بالاستناد إلى الأحاديث المُعتبرة ، ولكن نظرة أخرى إلى القرآن تفيد أنّ الآية الكريمة دراسة لجماعة واسعة باسم « عبادنا » وهم أهل البيت ، وأنّ الكتاب ورّث فيهم ، وهم على طائفتين : 1 - النخبة 2 - سائر الطائفة ، فالنخبة هُم الأئمّة الأطهار عليهم السلام ، وجميع بني هاشم هم سائر الطائفة ، فهم قد يظلمون أنفسهم ولكن ليس على الدوام والشاهد هو الآية اللاحقة جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ . وعلى فرض أنّ هذا الكلام خلاف ظاهر الآية وأنّ كلمة « عبادنا » تشمل جميع المسلمين ، لكن مع هذا الفرض وهو أنّ « المصطفين من عبادنا » ليس سوى أهل بيت الرسالة الأئمّة الأطهار عليهم السلام ، وقد لاحظتم شرح ذلك ، حيث كان الاستدلال مبتنياً على كلمة « المصطَفين من العباد » لا كلمة عبادنا .