وعلى كلّ حال ، في القرآن الكريم آيات ناسخة لآيات أُخرى ، والآية المنسوخة باقية على حالها مدوّنة في القرآن ، والنسخ لا يعني إزالة صورتها من كونها آية ، فهي باقية ومحفوظة من حيث النزول ، ولكن لم يعدّ لها من أثر ، وفقدان الشيء لأثره يعني في الواقع زواله وتساوي وجوده وعدمه . . . إذن ، فالنسخ لا يعني شيئاً أكثر من زوال الأثر . وبعبارة أوضح : فإنّ نسخ الآية هو عبارة عن إزالة حكمها واستبداله بحكم الآية الثانية « الناسخة » . ونخلص من هذا إلى أنّ نسخ الآيات إنّما يقتصر على الآيات المتعلّقة بالأحكام ، ولا يسري هذا النسخ أبداً إلى الآيات التي تتعرّض إلى الحقائق المسلّمة التي لا يعتريها التغيير . أفيمكن تصوّر النسخ بحقّ الآية الشريفة
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
؟ أو يمكن زوال الحقائق الثابتة والدائمة ؟ ولمّا كانت الأديان واحدة في العقائد ، وقد نهض جميع الأنبياء بمهمّة هداية الأمم لهذه العقائد ، فإنّه يمكننا القول بأنّه ليس هنالك من دين ينسخ آخر من حيث الأصول العقائدية ، فالاعتقاد باللَّه والثواب والعقاب والحساب وصفات الجمال والكمال إنّما هي من الحقائق المسلّمة التي تأبى التغيير والزوال ، ولذلك فإنّ النسخ إنّما يكون في الشرائع . وبعبارة أُخرى : لا بدّ من الإذعان بأنّ الدين الإسلامي ليس بناسخ لنبوّة ورسالة من كان قبله من الأنبياء ، بل القرآن ناسخ لشرائع سائر الأنبياء ، فهذا القرآن لا ينفكّ يؤكّد أنّ الكتاب السماوي الإسلامي
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
« 1 »
مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ
« 2 » .
مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
« 3 » .
مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
« 4 »
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 89 ، 101 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 81 .
( 3 ) سورة الأنعام : الآية 92 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 41 ؛ سورة النساء : الآية 47 .