نخلص من هذا أن السبب الخامس ( الأخير ) نظرا لانطباقه على ظروف كل المهاجرين ، فهو الأقرب إلى أن يكون بعيدا عن كونه مجرد افتراض ، وعلى أية حال ، فنحن لسنا في حاجة إلى القول بأن الخلافات في الرأي والتي أدت للهجرة للحبشة لم تكن قد وصلت إلى درجة حادة ، كما أن ما ذكرناه لا يعنى ان الأسباب الأخرى لم تكن قائمة بالمرة . وربما كان ما حدث كان شيئا قريبا مما ذكرناه إلى حد ما .
لقد كان المهاجرون إلى الحبشة كما هو واضح رجالا ذوى عقائد دينية صحيحة . وفي بعض الحالات كانت هذه العقائد الدينية الصحيحة لدى البعض راسخة حتى قبل نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم كما هو في حالة عثمان بن مظعون وعبيد اللّه بن جحش ( الذي تحول للمسيحية في الحبشة ) .
فمثل هؤلاء قد يكونون غير ميالين لقبول سياسة أبى بكر الخليفة المتوقع للرسول صلّى اللّه عليه وسلم . ما هذه السياسة التي لم يكونوا راضين عنها ؟ اننا لا نستطيع الا التخمين ، وربما جاز لنا أن نصر على أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ما نجح كنبي وقائد ( النص : زعيم ديني وسياسي ) الا لأن دعوته كانت ذات أبعاد سياسية واجتماعية معلنة ( أي أعلنها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ) . وأولئك الذين بقوا في مكة كانوا ممن ينتمون إلى عشائر كانت مستعدة لقبول قيادة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ( ربما كانت عدى استثناء من ذلك ) ؛ بالنظر إلى حلف الفضول القديم الذي اشتركت فيه هذه العشائر جميعا . ومهما كانت سياسة أبى بكر ، فان محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كان بلا شك سيوافق عليها .
والقول بأن محمدا هو الذي اتخذ المبادأة * ربما كان محاولة لاخفاء الدوافع الأساسية بين الذين تخلوا عنه في مكة ، لكنه ليس من الضروري أن نفسر البيانات المتاحة لنا
ata
بهذه الطريقة . انه لما يتفق مع شخصية محمد ( صلّى اللّه عليه وسلم ) أن يعى بسرعة امكان حدوث شقاق أو خلاف فيتخذ بسرعة خطوات ليسد الثغرات ويتحاشى النتائج السيئة ، لذا بادر باقتراح الهجرة إلى الحبشة لتعزيز خطة تتفق مع مصالح الاسلام الذي لازلنا غير واعين بطبيعته الدقيقة ، فالاسلام في هدفه الظاهري لم يحقق
هامش
* أي هو الذي وجه أتباعه للهجرة إلى الحبشة - ( المترجم ) .