والسبب المحتمل الثالث ان هؤلاء المهاجرين إلى الحبشة قد ذهبوا إليها لينخرطوا في سلك التحارة . والان فلأن بعضهم قد قضى في الحبشة ربما حوالي اثنى عشر شهرا ، فلا بد أنهم دبروا لأنفسهم مصدرا للعيش ، ولا بد أن يكون ذلك كما يكاد يكون مؤكدا عن طريق التجارة .
وقد حدثنا عروة عن الحبشة كإحدى مجالات تجارة أهل مكة . وحتى هذا السبب في حد ذاته غير كاف لتبرير هجرة المسلمين إلى الحبشة وحث محمد صلّى اللّه عليه وسلم بعض صحبه عليها ، إذا لم نفترض أنهم كانوا في حالة يأس كامل فقدوا فيه كل الأمل في الاصلاح الديني ( الدعوة للاسلام ) في مكة . لكن حتى إذا كان هذا هو اتجاه المهاجرين إلى الحبشة ، فإنه لم يكن اتجاه محمد صلّى اللّه عليه وسلم * . ومن هنا وجب علينا أن نبحث عن مزيد من الأسباب .
رابعا ، أيمكن أن يكون ذلك ( الهجرة إلى الحبشة ) جزا من بعض خطط محمد ( صلّى اللّه عليه وسلم ) الماهرة ؟ أكان يأمل في تلقى مساعدة عسكريه من الأحباش كما من المحتمل أن يكون جده قد فعل من حيث طلبه دعم أبرهة العسكري ؟ ( ليس في كتب السيرة ما يفيد طلب جده لهذا الدعم المترجم ) .
فربما لم يكن الأحباش كارهين لغزو جنوب شبه الجزيرة العربية لاستعادة ملكهم الضائع هناك ، كما أن الإمبراطور البيزنطى قد يكون وافق على هجوم تكتيكى على جناح الجيش الفارسي خاصة وأن الفرس كانوا قد استولوا على القدس قبل ذلك بعام أو عامين . أو هل كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم يأمل أن يجعل من الحبشة قاعدة لمهاجمة تجارة أهل مكة كما فعل بعد ذلك بالنسبة للمدينة بعد أن هاجر إليها ؟ أو هل حاول محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن يطور طريقا بديلا للتجارة من الجنوب إلى الدولة البيزنطية بعيدا عن مطال الدبلوماسية الملكية ، وبالتالي يكسر احتكار رأسماليى مكة لهذه التجارة ؟ لقد أفترضنا في صفحات سابقة « 28 » أن سياسة مكة كانت
هامش
* المعنى أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن في حالة يأس كامل من الدعوة للاسلام في مكة - ( المترجم ) .
( 28 ) الفصل الأول ، الفقرة 2 / ب .