أما أعضاء الفئة الثالثة ( الذين اعتبروا ضعفاء ) ، فيكاد يكون مؤكدا أنهم أكثر تأثرا بأوضاعهم غير الامنة داخل العشائر وخارجها ، أكثر من تأثرهم برغبتهم في الحصول على أية مزايا اقتصادية أو سياسية . وإذا كانت هناك امال واضحة للاصلاح لدى المسلمين الأوائل ، فلا بد أن نتلمسها في الفئة الثانية . وقد تناولت الآيات القرانية التي نزلت في مرحلة مبكرة عن أمور مثل عظمة اللّه سبحانه وعناصر رسالة الاسلام ( التي تحدثنا عنها في الفصول السابقة ) مرتبطة بالموقف العام لأهل مكة في هذه الفترة . وليس مما يدعو للدهشة اذن أن ينجذب بعض الرجال لرسالة الاسلام - في المقام الأول - من خلال مضامينه السياسية والاقتصادية . وان كان أمرا بعيد الاحتمال وجود عدد كبير ممن أسلموا كانوا واعين بهذه الأبعاد الاقتصادية والسياسية ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم كان مؤسس دين جديد ولم يكن بأية حال مجرد مصلح اجتماعي ، وان كنا لا نؤكد كثيرا على نفى مهمته الاصلاحية الاجتماعية « 24 » . ويمكن أن نصف الأوضاع بمصطلحاتنا المعهودة فنقول ، انه بينما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم واعيا بالعلل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية لعصره وبلاده ، فإنه اعتبر الجانب الديني هو الجانب الأساسي وركز عليه . فهذا - أي الجانب الديني - هو الذي يقرر روح المجتمع الشاب ، فتناولت المجموعة الصغيرة عقائدها الدينية وشعائرها بجدية مفرطة . وخلال الحقبة المكية انشغل النبي أساسا بما فرض عليه من أمور سياسية خاصة معركته مع المعارضين له التي أصبحت أكثر مرارة ، وأصبحت قضية نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم هي القضية المحورية . ولم تكن المسائل السياسية والاقتصادية ( في حالة تناولها مباشرة ) لتصلح لتلعب أي دور في التحول للاسلام ، فعلى الدين وبالدين يجمع الناس حول الاسلام . وان كان هذا لا يمنعنا من القول ، ان محمدا صلّى اللّه عليه وسلم والواعين من أتباعه لا بد أنهم كانوا مدركين للأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لرسالته ، وادراكهم هذا أدى إلى أن يضعوا ذلك في اعتبارهم عند توجيه أمور المسلمين .
هامش
( 24 )C . Snouck Hurgronje . s review of H . Grimme . s Mohammed in Verspreide Geschriften , 1 , 319 - 362 .