جائز وأيهما أدرك كان له الخيار ، وإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر إلا أن يكونا قد أدركا ورضيا » .
قلت : فإن أدرك أحدهما قبل الآخر قال « يجوز ذلك عليه إن هو رضي » .
قلت : فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي بالنكاح ثم مات قبل أن تدرك الجارية أترثه قال « نعم يعزل ميراثها منه ( 1 ) حتى
هامش
( 1 ) قوله « نعم يعزل ميراثها منه » هذا الخبر يدل على صحة العقد الفضولي وكون الإجازة فيه كاشفة لا نافلة وهو المشهور ، وربما يشكل بأن رضا الزوجين شرط صحة العقد ، فكيف يكون الشرط متأخرا وربما يجاب بأن أسباب الشرع وشروطه معرفات لا أسباب وشروط حقيقية فلا يعتبر في الشرعيات ما يعتبر في الحقيقيات كما جاز أن يجتمع معرفات وعلامات متعددة على شئ واحد ولا يجوز أن يجتمع علل وأسباب حقيقية على معلول واحد ويجوز أن يكون المعروف أي العلامة متأخرا فيدل على وجود شئ في الزمان المتقدم عليه كالحمى فإنها علامة تعفن الأخلاط قبلها وآثار القدم علائم ومعرفات تدل على وجود السير قبلها والبعرة تدل على وجود البعير قبلها وهكذا ، فيجوز أن يجعل في الشرع الإجازة كاشفة أي علامة على حصول الملك قبله ، وقال الشيخ المحقق الأنصاري ( قدس سره ) : إذا اعترف أن رضا المالك من جملة الشروط ، فكيف يكون كاشفا عن وجود المشروط قبله ، ودعوى إن الشروط الشرعية ليست كالعقلية بل بحسب ما يتقضيه جعل الشارع ، فقد يجعل الشارع ما يشبه تقديم المسبب على السبب كغسل الجمعة يوم الخميس واعطاء الفطرة قبل وقته فضلا عن تقدم المشروط على الشرط كغسل الفجر بعد الفجر للمستحاضة الصائمة وكغسل العشائين لصوم اليوم الماضي على القول به ( هذه الدعوى ) مدفوعة بأنه لا فرق فيما فرض شرطا أو سببا بين الشرعي وغيره وتكثير الأمثلة لا يوجب وقوع المحال العقلي ، فهي كدعوى أن التناقض الشرعي بين الشيئين لا يمنع عن اجتماعهما لأن النقيض الشرعي غير العقلي ، إنتهى .
أقول : وكلام الشيخ غير تام ، والصحيح ما تطابق عليه أقوال أعاظم الفقهاء من أن السبب في الشرع معرف . قال العلامة « ره » في نهاية الأصول : السبب هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفا للحكم الشرعي ، ثم قال : فله في الزاني حكمان وجوب الحد عليه وجعل الزنا سببا لوجوب الحد ، فإن الزنا لا يوجب الحد بعينه ، بل يجعل الشارع والفائدة في نصب الأوصاف وجعلها أسبابا معرفات للحكم عسر وقوف المكلفين على خطاب الشارع في كل واقعة من الوقائع بعد انقطاع الوحي ، إنتهى كلام العلامة « ره » .
وقد ذكرنا في رسالتنا الموسومة بالمدخل إلى عذاب المنهل قد يتوهم أن جميع آثار السبب في اصطلاح الأصول وليس كذلك لأن الاصطلاحات في العلوم لا يجب أن تكون متطابقة مثلا الحال في اصطلاح النحويين شئ وفي اصطلاح المعتزلة شئ آخر ، وهو الواسطة بين الموجود والمعدوم وفي الفلسفة الأولى وهو الكيف النفساني السريع الزوال والتباين في اصطلاح المنطق لا يصدق على مفهومي الإنسان والناطق ، وفي اصطلاح أهل الأصول يصدق عليهما والفاعل في اصطلاح النحاة شئ وفي الحكمة شئ آخر ، ويتقدم الفعل على الفاعل في النحو ولا يتقدم عليه في الحكمة لاختلاف الاصطلاح وكلمة السبب في اصطلاح العروضيين تطلق على الحرفين الملفوظين المتحرك أولهما ، مثل لن في فعولن وفي الحكمة شئ آخر فلم لا يجوز أن يطلق في اصطلاح أهل الشرع على معنى غير المعنى الذي يراد به في المعقول والعروض ويراد به المعروف كما إن أهل التجويد يقولون سبب المد في حروفه إنما هو الهمزة والتشديد المؤخران عنه مثل ولا الضالين فإن سبب مد الألف تشديد اللام مع إنه لا يجوز تأخير السبب عن المسبب في الحكمة ، وذلك لأن لأهل القراءة اصطلاحا في السبب غير اصطلاح المعقول ، والسبب المعقولي للمد هو إرادة المتكلم ، وأما التشديد فهو معرف لحسن المدني في الكلمة ، ونظيره في النحو ما يقولون إن العامل في نصب زيدا ضربت متأخر عنه وهو سبب للنصب عندهم مع تأخره ، وكذلك السبب في اصطلاح الفقهاء هو المعرف كما صرحوا به ، انتهى كلامنا في تلك الرسالة ، وقال في الفصول في مبحث القياس إن علل الشرع على ضربين الأول العلل المجعولة في الشرع عللا وأسبابا لأحكام مخصوصة كعلية الأحداث بوجوب الطهارات والإفطار والظهار والحنث والصيد للكفارات والتصرف والإتلاف لثبوت الضمان والعقود والإيقاعات لوجوه النقل والانتقال والملك والبينونة إلى غير ذلك ، وهذه إذا قيست إلى الأحكام التي يترتب عليها شرعا كانت معرفات لها ومبينات لتحققها بعللها الواقعية لا عللا حقيقية لانحصارها في الأربع وعدم كونها من الماديات والصورية واضح ، وكذا عدم كونها من الفاعلية لاستناد جعل الأحكام الشرعية إليه تعالى لا إلى تلك الأسباب ، وكذا عدم كونها من الفاعلية لاستناد جعل الأحكام الشرعية إليه تعالى لا إلى تلك الأسباب ، وكذا عدم كونها من الغائبة لظهور أن ليس المقصود بوضع تلك الأحكام ترتب الأسباب عليها ، الثاني العلل التي هي منشأ الحكم وجهات حسن تشريعه وما يستند إليه مطلوبية الفعل أو مبغوضية كإسكار الخمر الموجب لمبغوضية شربها ، وهذه العلل علل حقيقية وليست بعلل وضعية إذ مرجعها إلى العلة الغائبة ، فإن المقصود من تحريم الخمر حفظ المكلف من السكر وفساد العقل وما ذكره الفقهاء من أن علل الشرع معرفات فإنما عنوا به القسم الأول بقرينة ذكرهم ذلك في سياق تلك العلل ، انتهى كلام الفضولي ، وتعلم إن الإجازة في عقد الفضولي من القسم الأول ، وما ذكره الشيخ - رحمه الله - سهو ، وإلا فإن العلماء بينوا معنى الأسباب الشرعية وكونها معرفات بما لا مزيد عليه واختلاف الاصطلاحات في العلوم المختلفة معروف مشهور ، وما قال من أن تكثير الأمثلة لا يوجب وقوع المحال العقلي فهي كدعوى أن التناقض الشرعي بين الشيئين لا يمنع عن اجتماعهما ، فهذا كلام في غير محله لأن تأخر المعرف والعلامة ليس محالا والسبب الشرعي معرف ، وأما التناقض فليس له في الشرع اصطلاح آخر ، ولذلك يكون التناقض الشرعي كالعقلي في عدم الاجتماع ولو كان في الشرع اصطلاحا غير الاصطلاح العقلي مثل أن يجعلوا لفظ التناقض في الشرع للمتخالفين كالسواد والحلاوة لحكمتا بجواز اجتماعها . « ش » .