تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
ثُمَّ اعْلَمْ ، يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلاَد قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْل وجَوْر ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْولاَةِ قَبْلَكَ ، ويَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ ، وإِنَّما يُسْتَدَلُّ عَلىَ الصَّالِحينَ بِمَا يُجْرِي اللّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ ، فَلْيَكُنْ أَحَبُّ الذَّخائِرِ إلَيْكَ ذَخِيرَةَ الْعَمَلِ الْصَّالِحِ ، فَامْلِكْ هَوَاكَ وشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَكَ فَإنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الإنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ . وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ ، واَلْمَحَبَّةَ لَهُمْ ، واللُّطْفَ بِهِمْ ، ولاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً ( 1 ) تَغْتَنِمُ أَكهلَهُمْ فَإنَّهُمْ صِنْفانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ ، وتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ ، ويُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ والْخَطَأِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ صَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيكَ اللّهُ مِنْ عَفْوِهِ وصَفْحِهِ ، فَإنَّكَ فَوْقَهُمْ ووَالِي الأمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ ، واللّهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ ! وقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وابْتَلاكَ بِهِمْ ، ولاَ تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللّهِ فَإنَّهُ لاَ يَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ ( 2 ) ، ولاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ ، ولاَ تَنْدَمَنَّ عَلى عَفْو ، ولاَ تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَة ( 3 ) ، ولاَ تُسْرِ عَنَّ إِلَى بَادِرَة ( 4 ) وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً ، ولاَ تَقُولَنَّ إنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ فَإنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ ، ومَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ ، وتَقَرُّبٌ مِنْ الْغِيَرِ . ( 5 ) وإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَو مَخِيلَةً فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللّهِ فَوْقَكَ وقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لاَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ ; فإنَّ ذلِكَ يُطامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ ، ويَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ ، ويَفِئ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ . ( 6 ) إِيَّاكَ ومُسَامَاةَ اللّهِ فِي عَظَمَتِهِ ( 7 ) والتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ ; فَإِنَّ اللّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّار ، يُهِينُ كُلَّ مُخْتَال .
هامش
1 - ضري الكلب بالصيد : تعوّده وأولع به ، تطعم بلحمه ودمه . 2 - أي لا تقدر على دفع نقمته . 3 - بجح بالشيء : فرح به . 4 - البادرة : ما يبدر من الحدّة عند الغضب . 5 - الإدغال : إدخال الفساد . والمنهكة : المضعفة . والغِيَر بالكسر فالفتح : حوادث الدهر . 6 - الطِماح : الجماح . ويُطامِن منه : يحفض منه . والغَرْب : الحدّة . ويفئ : يرجع . 7 - المساماة : المغالبة في السموّ والعلوّ .
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية — صفحة 308 | الشيخ المنتظري