أثمر تحقيق هذا الهدف العظيم الذي هو وضع الإنسانية على طريق التكامل .
وربما كان هذا القول مثيرا للدهشة والتعجب ، والتساؤل :
كيف حقق الأنبياء الكرام هدفهم هذا ولم يؤمن بهم إلا القليل ، وأعرض عنهم أكثر
الناس ، بل حاربوهم ورفضوهم . . ؟
إن هدف النبوة قد تحقق في كل عصر ، وعلى عهد كل نبي في صورتين :
إحداهما : فيمن آمن بالنبي وصدق به واتبع منهاجه ، فالتزم في حياته العامة والخاصة
بالعقيدة والشريعة اللتين اشتملت عليهما رسالته .
والصورة الأخرى : تتمثل في الجو الثقافي والروحي العام الذي اشاعته الرسالة
النبوية في المجتمع نتيجة لتبليغ النبي وأتباعه ، وللصراع الفكري والاجتماعي الذي
ولدته الرسالة في المجتمع ، فإن هذا المناخ الثقافي يترك آثاره بلا شك على
المفاهيم والمؤسسات والقيم والقناعات التي تسود المجتمع ، ويدفع بها نحو التغيير
بصورة لا شعورية ، فينتقل المجتمع إلى حالة أفضل في علاقاته وقيمه ومؤسساته وحوافز
العمل فيه ، وإن كان أكثر هذا المجتمع كافرا برسالة النبي .
ومن هنا كان الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين هم آباء الحضارة الإنسانية
والمدنية الإنسانية . وما من خير بلغته وتمتعت به البشرية في عقولها وأذواقها
وقيمها ومؤسساتها وحوافز العمل من أجل التقدم المادي عندها إلا وللأنبياء فيه فضل
كبير ، لأنهم - على مدى التاريخ - أشاعوا ، بما بثوه من الوحي الإلهي في الناس ،
وحدة جديدة في كل مجتمع تنبث كالنور . . . كالعافية فيه فتضئ ، بدرجات متفاوتة ،
مناطق الظلمة ، وتلمس - بدرجات متفاوتة - مناطق البؤس والمرض فيه . وكان تأثير هذه
الروح النبوية متفاوتا بنسبة مقاومة قوى الشر حين تعي درجة تأثير الخير النبوي ،
وبقاء هذا الخير حرا في التأثير حين تغفل قوى الشرعية أو ترى لنفسها مصلحة فيه .
وهكذا ، فمن هذا المنظور نفهم أن كل نبي قد هدى الله به الناس من الضلالة ،
وأنقذهم بمكانه من الجهالة . فهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين آباء الإنسانية
الكرام ، وآباء الحضارة العظام .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 81
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٨١