وهذا نص آخر يضئ به الإمام جانبا آخر من جوانب وظيفة النبوة في نطاق الهدفين
العظيمين ، قال عليه السلام :
قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار ، وثنيت إليه أزمة الأبصار . دفن الله
به الضغائن 1 وأطفأ به الثوائر 2 . ألف به إخوانا ، وفرق به
أقرانا . أعز به الذلة ، وأذل به العزة 3 .
في هذا النص كشف الإمام عن عمل النبوة في تغيير القيم السائدة في المجتمع ، هذه
القيم التي تحكم وتوجه العلاقات داخل المجتمع بين فئاته وأفراده ، وإبدالها بقيم
أخرى متسقة في طبيعتها مع طبيعة الرسالة النبوية لأنها مستمدة منها . وما يترتب
على ذلك من تغير في المفاهيم والقناعات ، ومن تبدل في نوع العلاقات نتيجة لتبدل
القيم الجاهلية بالقيم النبوية .
لقد ثنيت أزمة الأبصار نحو الرسول الأكرم ( ص ) كما كانت تثنى نحو كل نبي في
مجتمعه ، لأنه قد أثار اهتمام الناس كلهم ، وأوجد هزة راحت تنداح على المجتمع كله
وتنفذ في أعماقه . وهذه الفكرة تضئ التحليل الذي بينا فيه آنفا أن أثر النبوة
الخيرة لا يقتصر على المؤمنين بالنبي ورسالته وحدهم ، وإنما يتعداهم ليشمل
ببركاته المجتمع كله .
لقد أدت القيم الجديدة التي جاء بها النبي إلى تغيير المفاهيم ، ومن ثم إلى
تغيير عميق وجذري في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والفئات ، وإلى إحداث
التبدلات الاجتماعية .
لقد دفنت به الضغائن ، لأن أسباب تولدها قد زالت ، ومن ثم فقد زالت أسباب تفجرها
فزالت الثوائر .
لقد نعم المجتمع كله بدرجة عالية من الاستقرار والطمأنينة بعد أن انخفضت إلى أدنى
الدرجات مظاهر العنف والتوتر فيه نتيجة لتبدل المفاهيم والقيم التي كانت
هامش
( 1 ) الضغائن : الأحقاد المكتومة .
( 2 ) الثوائر : الأحقاد المتفجرة في أعمال عدائية عنفية ومعارك .
( 3 ) نهج البلاغة ، رقم الخطبة 96 .