وثمة نصوص في نهج البلاغة تحدث فيها الإمام عن حالة العرب بالنسبة إلى تأثير
النبوة في أوضاعهم الحياتية والمعنوية .
ففي النص التالي صور أمير المؤمنين حالة المجتمع العربي الجاهلي عشية بعثة النبي
محمد ( ص ) ، في جميع وجوه حياته التي كان عليها من النواحي الروحية والاجتماعية
والأخلاقية . قال عليه السلام :
إن الله بعث محمدا ( ص ) نذيرا للعالمين ، وأمينا على التنزيل ، وأنتم
معشر العرب على شر دين وفي شر دار منيخون 1 بين حجارة خشن
وحيات صم 2 تشربون الكدر ، وتأكلون الجشب 3 ، وتسفكون دماءكم وتقطعون
أرحامكم ، الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة 54 .
إنهم كانوا على شر دين .
كانت الأصنام فيهم منصوبة يتوجهون إليها بالعبادة والضراعة ، كانوا ، إذن ، وثنيين ،
وكانت وثنيتهم ، التي استعاروها من هنا وهناك ، بدائية متخلفة خالية من الجمال
الفني والذوق إضافة إلى خلوها ، بطبيعة الحال ، من كل مضمون روحي سليم وكانوا في شر
دار .
كانت دارهم البادية القاحلة المجدبة التي تفرض عليهم شروط حياة صعبة قاسية جعلت من
حياتهم سلسلة من الأخطار والمتاعب وألوان الحرمان .
وكانوا - بسبب ما هم عليه من إفلاس روحي لأنهم على شر دين ، ومن تخلف في حياتهم
المادية لأنهم في شر دار - . . . بسبب هذا وذاك - كانوا على شر حال في حياتهم
الاجتماعية وعلاقاتهم الإنسانية ، فهم يقطعون أرحامهم ، وهم يسفكون دماءهم .
هامش
( 1 ) منيخون : مقيمون .
( 2 ) خشن : من الخشونة . والحيات الصم أخبث أنواع الحيات . كنى عن صعوبة مناخ
البادية وقساوة العيش فيها .
( 3 ) الكدر : الماء الذي يخالطه الطين وغيره ، والجشب من الطعام : الغليظ الخشن
كناية عن بؤس حياتهم وفقرها ، وانعدام وسائل الراحة فيها .
( 4 ) معصوبة : مشدودة ، كناية عن استمرارهم على المعصية .
5 - نهج البلاغة : رقم الخطبة 26 .