بعثه والناس ضلال في حيرة ، وحاطبون 1 في فتنة ، قد استهوتهم
الأهواء ، واستنزلتهم الكبرياء 2 ، واستخفتهم 3 الجاهلية الجهلاء . حيارى
في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل ، فبالغ ( ص ) في النصيحة ، ومضى على
الطريقة ، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة 4 .
وقال في نص ثالث :
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالدين المشهور . . . والناس
في فتن انجذم 5 فيها حبل الدين ، وتزعزعت سواري 6 اليقن ، واختلف النجر 7
وتشتت الأمر ، وضاق المخرج وعمي المصدر ، فالهدى خامل والعمى شامل ، عصي
الرحمان ونصر الشيطان ، وخذل الإيمان ، فانهارت دعائمه ، وتنكرت
معالمه ، ودرست سبله ، وعفت شركه 8 أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ،
ووردوا مناهله 9 ، بهم سارت أعلامه ، وقام لواؤه ، في فتن داستهم
بأخفافها ، ووطئتهم بأظلافها وقامت على سنابكها 10 فهم فيها تائهون . . .
حائرون . . . جاهلون . . . مفتونون . . . 11 .
أشار الإمام في هذه النصوص إلى وجوه الفساد التي كان يعاني منها العالم عشية بعثة
رسول الله ( ص ) ، وهي وجوه الفساد الكبرى في كل عصر وفي كل أمة ، فإصلاحها هو
وظيفة النبوة في حركتها الصاعدة منذ بدأت في مستهل التاريخ البشري إلى أن ختمت
بمحمد ( ص ) .
هامش
( 1 ) الحاطب هو الذي يجمع الحطب ، يقال لمن يأخذ بالصواب والخطأ دون تمييز : حاطب
ليل ، شبه للفتنة بالليل الذي تلتبس فيه الأشياء لظلامه حيث أن الحق يلتبس فيها
بالباطل .
( 2 ) استزلتهم : أوقعتهم الكبرياء في الزلل والسقوط ، يعني بذلك فساد حياتهم
الاجتماعية .
( 3 ) استخفتهم : جعلتهم طائشين مندفعين وراء شهواتهم الجسدية والنفسية دون
كابح ورادع .
( 4 ) نهج البلاغة ، رقم الخطبة : 95 .
( 5 ) انجذم : انقطع .
( 6 ) السارية : هي العمود ، يدعم بها السقف ، والجمع سوار .
( 7 ) النجر : الأصل ، ومثله : النجار .
( 8 ) درست واندرست بمعنى زالت وانطمست . والشرك - بضم الراء - جمع شراك ، وعفت شركه
بمعنى انطمست .
( 9 ) المناهل : جمع منهل ، مورد النهر .
( 10 ) الأخفاف جمع خف ، وهو للبعير كالقدم للإنسان ، والأظلاف جمع ظلف للبقر
والشاء . والسنابك جمع سنبك : طرف الحافر .
( 11 ) نهج البلاغة ، رقم الخطبة : 2 .