تنشأ هذه المقاومة من حق استعاد بعضا من حيويته فهو لا يطيق السكوت ، فيعبر عن
نفسه بالثورة ، لا لينتصر ، فقد يكون انتصار الحق بعيد المنال في هذه المرحلة من
التاريخ ، ولكن ليكسر من غلواء الفتنة ، ويعطل جانبا من عملها التخريبي في عقيدة
الأمة وشخصيتها ، وذلك حين يسلب الفتنة الشعور بالاستقرار والأمان ، فيحملها على
اتخاذ موقف الدفاع عن نفسها والتخلي عن بعض مناهجها التخريبية ، ويحملها على أن
ترتد ولو قليلا إلى الصواب .
أو تنشأ هذه المقاومة من أزمات داخل الفتنة نفسها ، تولد فتنا تزعج أهل السلطان
القديم ، وتأتي إلى سدة السلطان بقوم آخرين ، ويكون بين أولئك وهؤلاء فرج لأهل
الإيمان ، ونهضة لأهل الحق في غفلة أهل السلطان .
قال عليه السلام :
حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على بني أمية ( 1 ) ، تمنحهم
درها ( 2 ) ، وتوردهم صفوها ، ولا يرفع عن هذه الأمة سوطها ولا سيفها ،
وكذب الظان لذلك ، بل هي مجة ( 3 ) من لذيذ العيش يتطعمونها برهة ، ثم
يلفظونها جملة ( 4 ) .
وقال عليه السلام في نص آخر يخاطب بني أمية :
فما احلولت لكم الدنيا في لذتها ، ولا تمكنتم من رضاع أخلافها ( 5 ) إلا
من بعد ما صادفتموها جائلا خطامها ( 6 ) ، قلقا وضينها ( 7 ) ، قد صار حرامها
عند أقوام بمنزلة السدر المخضود ( 8 ) ، وحلالها بعيدا غير موجود ،
وصادفتموها والله ، ظلا ممدودا إلى أجل معدود .
هامش
( 1 ) معقولة . . : مقصورة عليهم ، دائمة لهم ، من عقل الناقة إذا حبسها بالعقال في مكان
بعينه .
( 2 ) الدر : اللبن ، يعني خيرات الدنيا والذاتها .
( 3 ) مجة : مصدر مرة ، من مج الشراب من فيه ، يعني أنها لا تدوم لهم كما يتوهم
الناس وإنما يمجونها ويلفظونها رغما عنهم .
( 4 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 87 .
( 5 ) الأخلاف جمع خلف : حملة ضرع الناقة .
( 6 ) الخطام : ما يوضع في أنف البعير ليقاد به ، يعني أن تخاذل أهل الحق عن نصرة
الحق مكن لأهل الباطل من الإنتصار .
( 7 ) الوضين : حزام عريض يشد به الرحل على الناقة ، وهو كناية عن تخاذل أهل الحق
الذي مكن لأهل الباطل من النصر .
( 8 ) السدر : شجر النبق ، والمخضود : المقطوع شوكه . يعني أنكم انتصرتم بأقوام
يستحلون حرام الله ، ولا يتورعون من شئ .