الدماء ( 1 ) وتثلم منار الدين ( 2 ) وتنقض عقد اليقين . يهرب منها
الأكياس ( 3 ) ويدبرها الأرجاس ( 4 ) مرعاد مبراق كاشفة عن ساق ، تقطع فيها
الأرحام ، ويفارق عليها الإسلام ، بريها سقيم ، وظاعنها مقيم . . . بين قتيل
مطلول ( 5 ) ، وخائف مستجير ، يختلون بعقد الأيمان ( 6 ) . . . ( 7 ) .
يبرز الإمام في هذا الفصل - كما في النص الثاني من هذا الفصل - شمول الظلم لأهل
البدو ، وهذا يعني - بملاحظة التركيب الاجتماعي ، والوضع الثقافي للمجتمع الإسلامي
في ذلك الحين - أقصى درجات الشمول للظلم والطغيان ، فأهل البدو - بسبب طريقة
حياتهم - بعيدون عن متناول السلطة وأجهزتها ومن ثم فهم يتمتعون بفرص أكثر من أهل
المدن للنجاة من كثير من شرور الطغيان السياسي . ولكن هذه الفتنة المنتصرة يبلغ من
قوتها وعنفها أن هؤلاء البدو - أهل الوبر - لا يسلمون منها ، بل تسومهم سوء
العذاب .
كما أبرز الإمام في هذا النص الوجوه الأخرى للمعاناة : الإذلال ، وسياسة القمع ،
وتجاوز الشريعة والقانون ، وانحطاط العلاقات الإنسانية .
*
وقال عليه السلام :
. . . فعند ذلك لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا وأدخله الظلمة ترحة ( 8 ) ،
وأولجوا فيه نقمة ، فيومئذ لا يبقى لهم في السماء عاذر ، ولا في الأرض ناصر .
أصفيتم بالأمر غير أهله ( 9 ) وأوردتموه غير مورده ، وسينتقم الله ممن
ظلم ، مأكلا بمأكل ، ومشربا بمشرب ، من مطاعم العلقم ،
هامش
( 1 ) عبيط الدماء : الطري منها .
( 2 ) الثلم : الكسر ، يعني أنها تنتهك الدين وتقلص نفوذه وولايته بترك العمل به
وظلم أهله والداعين إليه .
( 3 ) الكيس : الحاذق العاقل .
( 4 ) الأرجاس : الأشرار .
( 5 ) قتيل مطلول : مهدور الدم ، لا دية ولا قصاص .
( 6 ) الختل : الخداع ، يعني يخدعون الناس بحلف الأيمان وإظهار شعار الإسلام .
( 7 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 151 .
( 8 ) ترحمة : حزن وألم .
( 9 ) أصفيت فلانا كذا : أعطيته إياه خالصا ، يعني أعطيتم السلطة السياسية في
الإسلام إلى غير أهلها .