من سيده ، إذا شهد أطاعه وإذا غاب اغتابه ، وحتى يكون أعظمكم فيها عناء
أحسنكم بالله ظنا ، فإن أتاكم الله بعافية فاقبلوا ، وإن ابتليتم
فاصبروا ، فإن العاقبة للمتقين ( 1 ) .
في هذا النص يكشف الإمام عن وجوه أخرى من المعاناة والعذاب :
1 - سقوط حرمة القانون عند الطغمة الحاكمة التي يفترض فيها ، وهي تحكم باسم
الدين ، أن تحافظ عليه من حيث التطبيق .
2 - انتشار الظلم ، وعدم اقتصاره على الحواضر والمدن ، بل يشمل جميع مستويات الأمة
فيعاني منه سكان المدن وبدو الصحراء .
3 - الإذلال ، وهدر كرامة الإنسان الذي يتحول ، لطول ما يعاني من الإذلال ، إلى ما
يشبه أخلاق الرقيق .
إن هذا الواقع يجعل المعاناة شاملة في قضايا الدين وقضايا الدنيا ، ويكون أشد
الناس بلاء ومعاناة أكثرهم وعيا ، وأصلبهم عودا في مواجهة إغراء الفتنة وإرهابها .
ولكن الإمام يوصي هذه الفئة المستنيرة التي لم تستهلكها الفتنة بالصبر ، لأن
الفتنة في هذه المرحلة لا تقاوم ، وكل جهد يبذل في مقاومتها جهد ضائع مهدور يزيد
الشرعية ضعفا ووحدة وعزلة دون أن يؤثر على الفتنة ، وهي في أوج انتصارها شيئا .
*
ومن ذلك قوله عليه السلام :
راية ضلال قد قامت على قطبها ( 2 ) وتفرقت بشعبها ( 3 ) تكيلكم بصاعها ( 4 ) ،
وتخبطكم بباعها ( 5 ) ، قائدها خارج من الملة ، قائم على الضلة ، فلا يبقى
يومئذ منكم إلا ثفالة كثفالة القدر ( 6 ) أو
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 98 .
( 2 ) استحكم أمرها كالرحى حين تستقر على قطبها .
( 3 ) الشعب : الفروع . يعني أن الفتنة تغلغلت في جميع ثنايا المجتمع .
( 4 ) تشمل الناس بشرها دون تمييز كما يكال الحب بالصاع .
( 5 ) تضرب بذراعها جميع الأمة فلا يمتنع منها أحد ، مأخوذ من ( خبط الشجرة ) ضربها
بالعصا ليسقط ثمرها أو يتناثر ورقها .
( 6 ) الثفل : نفاية الشئ ، وما لا خير فيه منه ، وثفالة القدر ما يبقى فيه من هذا
القبيل .