من ذلك قوله عليه السلام :
. . . وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي ، كالناب
الضروس ( 1 ) تعذم بفيها ( 2 ) ، وتخبط بيدها ، وتزبن برجلها ( 3 ) وتمنع
درها ( 4 ) .
لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم ، أو غير ضائر بهم .
ولا يزال بلاؤهم عنكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا
كانتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه . ترد عليكم فتنتهم
شوهاء مخشية ، وقطعا جاهلية ، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى ( 6 ) .
وهكذا يعاني الناس من الفتنة بعد انتصارها ألوانا من الشر :
1 - حكم الطغيان الذي يقضي على كل معارضة له بالرأي والمذهب ، وهو لا يقضي عليه
بهوادة ولين ، وإنما بالعنف والقسوة .
2 - والإذلال الذي يمحق كرامة الإنسان ويشوه روحه ، فيحوله إلى عبد لا يجرؤ على
رفع صوته والتعبير عن رأيه ، وإنما يخضع بالطاعة العمياء الصماء التي لا خيار
فيها ولا تنبثق من قناعة وإنما يفرضها الخوف من العذاب .
*
ومن ذلك قوله عليه السلام :
والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه ، ولا عقدا إلا
حلوه ، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر ( 7 ) إلا دخله ظلمهم ونبا به سوء
رعيهم ( 8 ) ، وحتى يقوم الباكيان ، يبكيان : باك يبكي لدينه وباك يبكي
لدنياه ، وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد
هامش
( 1 ) الناب : الناقة المسنة ، والضروس : الناقة السيئة الخلق .
( 2 ) عذم الفرس : إذا أكل بجفاء ، أو عض .
( 3 ) تزبن : تضرب برجلها من يقترب منها .
( 4 ) الدر : اللبن . يعني أنها غير ذات فائدة مع كونها مصدرا للتخريب والأضرار .
فالفتنة شر كلها ، ولا خير فيها .
( 5 ) شوهاء : قبيحة المنظر ، ومخشية : مخوفة مرعبة .
( 6 ) العلم : الدليل الهادي في متاهات الصحراء . نهج البلاغة ، رقم : 93 .
( 7 ) يبت المدر : ما بني بالحجارة ، وبيت الوبر : الخيمة . يعني أن شر الفتنة لا
يقتصر على سكان المدن وإنما يشمل الريف والبدو .
( 8 ) نبا به سوء رعيهم : شرد الناس ، وأقلق حياتهم من ( نبا به المنزل ) : إذا لم
توافقه .