4 - المعاناة
تنتصر الفتنة ، فتأتي بحكم غير عادل ، لا يرى في الأمة إلا موضوعا لتسلطه ومصدرا
للمال .
وهي غير أخلاقية ، لأن قادتها يتبعون في سياسة الناس منطق الغريزة ، لا منطق القانون
والعدالة . ومن هنا وهناك فلا بد أن يكون لها ضحايا كثيرة .
ومن ضحاياها خصومها السياسيون الذين حاربوها في الماضي ، وغلبوا على أمرهم في
النهاية .
ومن ضحاياها خلفاؤها الذين ساندوها في أيام ضعفها ، واستغنت عنهم في أيام قوتها .
ومن ضحاياها الغافلون عن شرورها وأخطارها ، الذين كانوا محايدين في المعركة
الدائرة بينها وبين أهل الحق ، ثم دهشوا عند انتصارها ، فاحتجوا أو أظهروا معارضتهم
لها . وأكبر ضحاياها الأمة كلها حين تحولها الفتنة المنتصرة إلى موضوع للتسلط ،
ومصدر لصنع الثروات ، وتوفير أسباب الترف واللهو لنخبتها ، وجهازها القمعي ،
وحلفائها .
وهكذا تبدأ معاناة الأمة من الفتنة ، من ظلمها وتسلطها ، من عدوانها الذي ينتشر
كالوباء فيصيب كل فئة من المجتمع المغلوب على أمره بشتى ألوانه : العدوان
الأخلاقي ، والعدوان السياسي ، والعدوان الاقتصادي .
وقد صور الإمام علي وجوها من معاناة الأمة وعذاباتها بعد انتصار الفتنة في
لوحات معبرة تكاد تنطق بالحركة الحية .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 183
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٨٣