. . . ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف 1 ، والقاصمة الزحوف 2 ،
فتزيغ قلوب بعد استقامة ، وتضل رجال بعد سلامة ، وتختلف الأهواء عند
هجومها ، ونلتبس الآراء عند نجومها 3 من أشرف لها قصمته 4 ومن سعى فيها
حطمته ، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة 5 قد اضطرب فيها معقود الحبل ،
وعمي وجه الأمر . تغيض فيها الحكمة 6 ، وتنطق فيها الظلمة ، وتدق أهل
البدو بمسحلها 7 وترضهم بكلكلها 8 . . . فلا تكونوا أنصاب الفتن 9 وأعلام
البدع ، والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة ، وبنيت عليه أركان الطاعة 10 .
في هذا النص بين الإمام بعض سمات انتصار الفتنة :
1 - استيلاء الفتنة على مساحات جديدة في المجتمع : تضل رجال بعد سلامة وتتعمق
الأفكار المنحرفة تزيغ قلوب بعد استقامة .
2 - تلف المجتمع حيرة شديدة نتيجة للانتصار غير المتوقع الذي فرض مفاهيم جديدة لم
تكن مألوفة .
3 - تحطم الفتنة - في أوج انتصارها - كل من يتصدى لها مواجهة .
وفي نص آخر بين الإمام وجوها أخرى لانتصار الفتنة :
. . . فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه ، وركب الجهل مراكبه ، وعظمت الطاغية ،
وقلت
هامش
( 1 ) الرجوف : شديد الرجفان والاضطراب ، تدخل الاضطراب والقلق على المجتمع .
( 2 ) القاصمة : الكاسرة ، والزحوف : المتحركة التي تسعى للانتشار في المجتمع .
( 3 ) نجوم الآراء ظهورها يعني أن الفتنة تسبب البلبلة الفكرية في المجتمع ، فتمكن
للشعارات الدخيلة من التسرب والشيوع .
( 4 ) أشرف لها : تعرض لها ، قصمته : كسرته .
( 5 ) يتكادمون . . ينهش بعضهم بعضا ، والعانة هي الجماعة من الحمر الوحشية ، يعني أن
سلطان القانون ، في حالة انتصار الفتنة ، يسقط ، ويسود سلطان الغريزة .
( 6 ) تغيض . . تختفي ، غاض الماء : غار تحت الأرض .
( 7 ) دق : فتت وطحن . والمسحل : المبرد أو المطرقة ، يعني أن شرورها الاجتماعية تصل
إلى أهل البدو - مع بعدهم عن يد السلطة - فتحطم علاقاتهم ، وتهدد أمنهم .
( 8 ) الرض : التهشيم ، والكلكل : الصدر ، يعني أنها تطبق عليهم ، فتشل حركتهم
وتحطم مقاومتهم .
( 9 ) أنصاب : علامات .
( 10 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 51 .