وحرموه 1 ، ولقد نزلت بكم البلية جائلا خطامها 2 ، رخوا بطانها 3 فلا
يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فإنما هو ظل ممدود إلى أجل
معدود 4 .
وقد تكرر منه المقارنة بين حال أصحابه وحال أصحاب رسول الله ( ص ) في عدة مواقف .
وكان يرى في طريقة مواجهة أصحابه للفتنة الآتية نذر انتصار هذه الفتنة من بعده ، وقد
كشف عن رؤيته هذه لمجتمعه في عدة مواقف ، منها قوله :
. . . أما والذي نفسي بيده ، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنهم أولى
بالحق ، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم ، وإبطائكم عن حقي . ولقد أصبحت
الأمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي ، استنفرتكم للجهاد فلم
تنفروا ، وأسمعتكم فلم تسمعوا ، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا ، ونصحت
لكم فلم تقبلوا 5 .
ويكشف هذا النص - كغيره من النصوص المماثلة له - عن أن انتصار الفتنة لم يكن في
تقدير الإمام عليه السلام وتحليله ناشئا من قدر غيبي ، وإنما نشأ من توفر
الأسباب الموضوعية على أرض الواقع السياسي والاجتماعي الذي كانت عوامله تتفاعل
في المجتمع السياسي المواجه للفتنة .
لقد فقد هذا المجتمع فاعليته ، وتخلى عن روح الكفاح في مواجهة الفتنة ، وانفصل
عمليا عن قيادته فسقط في السلبية ، وآثر الحياة السهلة الخالية من تبعات
الرسالة والجهاد .
ومن ذلك قوله عليه السلام :
هامش
( 1 ) أصفيتم . . خصصتم به دون غيركم .
( 2 ) الخطام ما جعل في أنف البعير ليقاد به ، فإذا لم يكن ثمة قائد تاه البعير ولم
يسلك طريق السلامة ، كنى بذلك عن الفتنة التي تعيث فسادا في المجتمع .
( 3 ) البطان : حزام يجعل تحت بطن البعير ليحفظ استقرار ما عليه من راكب أو حمل فإذا
استرخى أدى ذلك إلى خطر السقوط . كنى بذلك عن أخطار الفتنة .
( 4 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 89 .
( 5 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 97 .