وانقادت النعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم ، من الاجتناب
للفرقة ، واللزوم للألفة ، والتحاض عليها 1 ، والتواصي بها .
واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم 2 ، وأوهن منتهم 3 من تضاغن القلوب 4 ،
وتشاحن الصدور ، وتدابر النفوس وتخاذل الأيدي . . . 5 .
ويستمر الإمام في تنظيره التاريخي بتقديم أمثلة محددة من حياة الإسرائيليين والعرب ،
بعدما كان في تنظيره السابق يذكر الأمم بشكل عام ، دون أن يخص بالذكر أمة بعينها :
. . . وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم : كيف كانوا في حال
التمحيص 6 والبلاء . ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء 7
وأضيق أهل الدنيا حالا . اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ،
وجرعوهم المرار 8 ، فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة . . .
حتى إذا رأى الله سبحانه جد الصبر منهم على الأذى في محبته 9 ،
والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم في مضايق البلاء فرجا ، فأبدلهم
العز مكان الذل ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكاما ، وأئمة
أعلاما . . . فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة 10 ، والأهواء
مؤتلفة ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة 11 ، والسيوف متناحرة ،
والبصائر نافذة 12 ، والعزائم واحدة ، ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين ،
هامش
( 1 ) التحاض ، صيغة تفاعل من الحض بمعنى الحث والترغيب ، يعني أن يحث بعضكم بعضا على
الاتحاد والتعاون .
( 2 ) الفقرة : واحدة فقر الظهر . ويقال لمن اصابته مصيبة شديدة : قد كسرت فقرته . يعني
اجتنبوا كل ما أضعف الأمم السابقة وسبب لها الانحطاط .
( 3 ) المنة : القوة ، ومعنى الجملة كسابقتها .
( 4 ) تضاغن القلوب وتشاحن الصدور بمعنى واحد : تبادل البغضاء بين فئات المجتمع .
( 5 ) تخاذل الأيدي : ألا ينصر الناس بعضهم بعضا ولا يتعاونون في حالات الخطر .
( 6 ) التمحيص : التطهير والتصفية .
( 7 ) أجهد العباد : أكثرهم تعبا .
( 8 ) المرار : شجر مر في الأصل ، كناية عما أصابهم من العذاب والهوان على أيدي
الفراعنة .
( 9 ) رأى الله منهم جد الصبر ، أي أشد الصبر .
( 10 ) الأملاء : الجماعات ، الواحد : ملأ ، يريد اتحاد الفئات الاجتماعية وتعاونها .
( 11 ) مترادفة : متعاونة .
( 12 ) البصائر نافذة : الإرادة عازمة جازمة غير مترددة للعلم بحقيقة الموقف أو
الشئ .