وملوكا على رقاب العالمين .
فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة وتشتتت
الألفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعبوا مختلفين ، وتفرقوا
متحاربين ، قد خلع الله عنهم لباس كرامته . وسلبهم غضارة نعمته 1 ، وبقي
قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين منكم .
فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السلام ، فما أشد
اعتدال الأحوال 2 وأقرب اشتباه الأمثال .
تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة
أربابا لهم . يختارونهم عن ريف الآفاق 3 ، وبحر العراق 4 وخضرة الدنيا ، إلى
منابت الشيح ومهافي الريح 5 ، ونكد المعاش 6 فتركوهم عالة مساكين ،
إخوان دبر ووبر 7 ، أذل الأمم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح
دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها ، فالأحوال
مضطربة ، والأيدي مختلفة ، والكثرة متفرقة ، في بلاء أزل 8 وأطباق جهل 9 ، من
بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة .
فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولا ، فعقد
بملته طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم كيف نشرت النعمة عليهم جناح
كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها . والتفت الملة بهم في عوائد بركتها ،
فأصبحوا في نعمتها غرقين 10 وفي خضرة عيشها فكهين 11 قد تربعت الأمور بهم 12
في ظل سلطان قاهر وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب 13
هامش
( 1 ) الغضارة : النعمة اللينة الطيبة .
( 2 ) ما أشد اعتدال الأحوال : ما أشبه الأشياء بعضها ببعض .
( 3 ) الريف : الأرض ذات الخصب والزرع ، والجمع أرياف .
( 4 ) بحر العراق : دجلة والفرات . قال ابن أبي الحديد : 13 / 173 أما الأكاسرة
فطردوهم عن بحر العراق ، وأما القياصرة فطردوهم عن ريف الآفاق أي عن الشام وما فيه
من المرعى والمنتجع .
( 5 ) يقصد البادية الخالية من الزرع والمياه والعمران .
( 6 ) نكد المعاش : قلته ، وصعوبة الحصول عليه ، وخشونته .
( 7 ) عالة : فقراء ( دبر ووبر ) دبر البعير عقرة القتب . والوبر للبعير بمنزلة الصوف
للضأن . يريد أنهم كانوا عالة فقراء يمثل البعير ثروتهم ، ومرضه شغلهم الشاغل .
( 8 ) الأزل : الضيق والشدة ، يريد بلاء شديدا شغلهم عن كل شئ .
( 9 ) أطباق ، جمع طبق . أي جهل متراكم بعضه فوق بعض .
( 10 ) غرقين : من الغرق ، مبالغة في وصف ما هم فيه من النعمة .
( 11 ) فكهين : بمعنى ناعمين .
( 12 ) تربعت الأمور بهم ، أي أقامت ، من : ربع بالمكان أي أقام فيه ، يعني استقرار
أحوالهم السياسية والمعيشية .
( 13 ) آوتهم الحال : ضمتهم وأنزلتهم ، والكنف : الجانب .