ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، ولا لفضله عندكم حسادا ، ولا
تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم 1 ، وخلطتم بصحتكم مرضهم ،
وأدخلتم في حقكم باطلهم ، وهم أساس الفسوق وأحلاس العقوق . . . 2 .
ثم يعود الإمام إلى التنظير بالتاريخ ، مذكرا بالنهايات الفاجعة للأمم والشعوب
التي فتكت بها آفة التعصب والتناحر ، مقابلا ذلك بالنهج النبوي الإنساني البعيد
عن الكبر :
فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله
وصولاته ، ووقائعه ومثلاته واتعظوا بمثاوي خدودهم ومصارع
جنوبهم . . . فلو رخص الله في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة
أنبيائه . . . ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون - عليهما السلام -
على فرعون وعليهما مدارع الصوف 5 ، وبأيديهما العصي ، فشرطا له - إن أسلم
- بقاء ملكه ، ودوام عزه ، فقال : ( ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام
العز وبقاء الملك ، وهما بما ترون من حال الفقر والذل ) .
ويستمر الإمام في التنظير التاريخي ، داعيا مستمعيه إلى فحص المواقف التاريخية
التي مرت على الأمم السابقة ، وتجنب الاختيارات والتجارب التي أدت إلى
الانحطاط والانهيار ، واختيار المسلكية التي ثبت بالتجربة صلاحها :
. . . واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم
الأعمال . فتذكروا في الخير والشر أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم .
فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم ، فالزموا كل أمر لزمت العزة به
شأنهم ، وزاحت الأعداء له عنهم 6 . ومدت العافية به عليهم ،
هامش
( 1 ) المراد من هذه الجملة وما بعدها أن هؤلاء الزعماء يفسدون بنزعاتهم الشريرة
حياتكم وإيمانكم وطهارة نفوسكم .
( 2 ) الأحلاس : جمع حلس . وهو كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازما له ، فقيل لكل
ملازم أمر : هو حلس ذلك الأمر . فهؤلاء المغدون من رؤساء القبائل ملازمون للعقوق
والتنكر لنعم الله ولأحكام الشرع وقواعد الأخلاق .
( 3 ) المثلات والوقائع : يقصد بهما عقوبات الله التي استحقوها نتيجة لانحرافاتهم .
( 4 ) المثوى : المنزل . مواضع حدودهم بعد الموت على التراب ، ومصارع جنوبهم : مواقعها
بعد الموت على التراب .
( 5 ) مدارع الصوف : جمع مدرعة - بكسر الميم - وهي كالكساء .
( 6 ) زاحت : بعدت . وله : لأجله ، يعني : الزموا كل أمر خافتهم الأعداء بسببه .