وبقيت أحكام كثيرة لم تحصل الدواعي والبواعث لبيانها ، إما لعدم الابتلاء بها في
عصر النبوة ، أو لعدم اقتضاء المصلحة لنشرها .
والحاصل أن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الاحكام وكتمان جملة ، ولكنه
سلام الله عليه أودعها عند أوصيائه ، كل وصي يعهد به إلى الآخر لينشره في الوقت
المناسب له حسب الحكمة من عام مخصص ، أو مطلق مقيد ، أو مجمل مبين ، إلى
أمثال ذلك ، فقد يذكر النبي عاما ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته ، وقد لا
يذكره أصلا بل يودعه عند وصيه إلى وقته .
ثم إن الأحاديث التي نشرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته قد يختلف
الصحابة في فهم معانيها على حسب اختلاف مراتب أفهامهم وقرائحهم ( أنزل من
السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) ( 1 ) .
ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القرائح والفهوم
ثم إن الصحابي قد يسمع من النبي في واقعة حكما ويسمع الآخر في مثلها خلافه ،
وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين ، غفل أحدهما عن
الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث ، فيحصل التعارض في
الأحاديث ظاهرا ، ولا تنافي واقعا .
ومن هذه الأسباب وأضعاف أمثالها احتاج حتى نفس الصحابة - الذين فازوا
بشرف الحضور - في معرفة الاحكام إلى الاجتهاد والنظر في الحديث ، وضم بعضه
إلى بعض ، والالتفات إلى القرائن الحالية ، فقد يكون للكلام ظاهر ومراد النبي خلافه
اعتمادا على قرينة كانت في المقام ، والحديث نقل والقرينة لم تنقل .
هامش
( 1 ) الرعد 13 : 17 .