متأخّري المتأخّرين أوّلهم الفاضل التوني ( 1 ) تبعاً للزركشي من أواخر الأشاعرة ، حيث رأى شناعة ما عليه أصحابه من إنكار التحسين والتقبيح العقليّين وكونه يشبه بإنكار الضروري ويرجع إلى تكذيب الوجدان ، فلم يتمكّن من موافقتهم فوافق العدليّة في إثبات الملزوم وأنكر الملازمة بينه وبين الحكم الشرعي ، وظاهر أنّ ما أدركه العقل من الحسن والقبح لا يلازم الحكم الشرعي بالملازمة المذكورة إلاّ بأن يدخل فيه استحقاق الثواب والعقاب ، وهذا كما ترى وهم فاسد .
أمّا أوّلا : فلأنّ المراد من الحكم العقلي ومسألة التحسين والتقبيح عند العدليّة ما يتوصّل به إلى الحكم الشرعي على وجه يكون الحكم العقلي دليلا والحكم الشرعي مدلولا عليه .
ومن البيّن وجوب تغاير الدليل والمدلول ، فلو دخل استحقاق الثواب والعقاب فيما أدركه العقل من الحسن والقبح لزم دخول الحكم الشرعي فيما أدركه العقل ، وكون المدلول من جملة الدليل ، وهو باطل .
وبيان الملازمة : أنّ استحقاق الثواب والعقاب اعتبار في جانب الحكم الشرعي ، لأنّه يترتّب على الإطاعة والمعصية وموافقة الخطاب ومخالفته ، فلو دخل فيما أدركه العقل لدخل فيه ملزومه .
وقضيّة بطلان اللازم عدم دخول الاستحقاق المذكور فيما أدركه العقل ، ولا ينافيه ما ذكر من أنّ المراد ممّا أدركه العقل ما يلازم الحكم الشرعي بالملازمة المذكورة ، لعدم ابتناء هذه الملازمة على دخول استحقاق الثواب والعقاب فيما أدركه العقل ، بل هي مبنيّة على مقدّمة اُخرى هي بالقياس إلى الحسن والقبح العقليّين بمثابة القضايا الّتي قياساتها معها ، وهي محبوبيّة ما حسّنه العقل ومبغوضيّة ما قبّحه لله تعالى ، نظراً إلى أنّ المراد بالحسن والقبح اللذين يدركهما العقل في محلّ النزاع حكم العقل باستحقاق الفاعل للمدح والذمّ في نظر كلّ عاقل وحكمه ، ولا سيّما العقول الصحيحة حتّى الإله الخالق للعقول .
وإلى ذلك يشير ما عن العضدي تبعاً للحاجبي من : « أنّ النزاع في حكم العقل بأنّ الفعل حسن أو قبيح في حكمه تعالى » ( 2 ) فإنّ معناه - بناءً على ظاهر العبارة - حكم العقل بكون الفعل بحيث يستحقّ فاعله المدح أو الذمّ في نظره تعالى وحكمه أي حكمه بكونه كذلك أو حكمه بالاستحقاق المذكور ، وحيث إنّ حكمه تعالى مطابق لعلمه فصحّ أن يقال
هامش
( 1 ) الوافية : 171 .
( 2 ) شرح المختصر : 69 - 70 .