بكونه كذلك في عمله تعالى ، لا ما احتمله بعض الفضلاء بقوله : « هذا الكلام يحتمل وجوهاً :
الأوّل : أنّ النزاع في إدراك العقل حسن حكمه تعالى بشيء أو قبحه .
الثاني : أنّ النزاع في إدراك حسن الفعل وقبحه المؤثّرين في وقوع حكمه به على حسبه من إيجاب أو غيره .
الثالث : أنّ النزاع في إدراك العقل حسن الفعل أو قبحه بالنسبة إليه تعالى » ( 1 ) لكون هذه الوجوه بمراحل عن هذه العبارة ولا تتحمّلها بظاهرها ، وظاهر أنّ كون الفعل بحيث يستحقّ فاعله المدح أو الذمّ في حكمه تعالى وعلمه لزمه المحبوبيّة والمبغوضيّة له تعالى ، وهما تستلزمان كونه بحيث أوجبه أو حرّمه ، ثمّ يترتّب عليهما استحقاق الثواب والعقاب على الموافقة والمخالفة .
وأمّا ثانياً : فلانّه لو دخل استحقاق الثواب والعقاب فيما أدركه العقل عند العدليّة من الحسن والقبح مع فرض كونه من لوازم الحكم الشرعي لزم أن لا يكون للنزاع في الملازمة - الّذي وقع لمتأخّري المتأخّرين - محلّ ، إذ المفروض كون الحكم الشرعي ممّا أدركه العقل بواسطة إدراكه ما هو من لوازمه ، ومعه لا معنى للنزاع في الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي ، لأنّ ما أدركه هو الحكم الشرعي لا غير .
نعم ربّما وقع النزاع في حجّية هذا الإدراك على معنى وجوب متابعته ، بناءً على ما عليه جماعة من الأخباريّة من إنكارهم حجّية إدراكات العقل في النظريّات .
وأنت خبير بأنّ الكلام في حجّية إدراكات العقل غير الكلام في الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي ، ولا يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر ، وطريق ردّ المنكرين للحجّية على نهج آخر مقرّر في مباحث حجّية القطع ، ولذا توجّه إليهم ثمّة لزوم التناقض أو اجتماع النقيضين لو أرادوا من إدراك العقل إدراكه القطعي - كما هو ظاهر أكثرهم - ومن عدم حجّيته ما هو بالقياس إلى القاطع ، ولم يتوجّه نحوه هاهنا إلى منكري الملازمة .
وأمّا ثالثاً : فلأنّ من منكري الملازمة كالفاضل التوني من بنى إنكاره على التفكيك بين الواجب والحرام العقليّين ، فعرّف الواجب : « بما يستحقّ فاعله المدح وتاركه الذمّ والحرام عكسه » ( 2 ) والواجب والحرام الشرعيّين فعرّف الواجب : « بما يستحّق فاعله الثواب وتاركه العقاب والحرام عكسه » 3 فوافق العدليّة في القول بالواجب والحرام العقليّين وتنظّر في استلزامهما
هامش
( 1 ) الفصول : 316 .
( 2 و 3 ) الوافية : 171 .