الأفعال الاضطراريّة الّتي ليس للفاعل جهة اختيار فيها فلا يلحقها حسن ولا قبح ، ولا يستحقّ الفاعل من جهتها مدحاً ولا ذمّاً ، حتّى أنّ الأشاعرة في بعض أدلّتهم لنفي التحسين والتقبيح العقليّين استدلّوا بكون أفعال العباد اضطراريّة ، بناءً منهم على أصلهم الفاسد من كون العباد مجبورين في أفعالهم .
وإذا تمهّد هذا كلّه فنقول : إنّ الأصحّ بل الحقّ الّذي لا محيص عنه ما عليه العدليّة لأنّه العدل لقضاء الضرورة بذلك ، فإنّ من الأفعال على ما يعرف بالعيان ويدرك بالوجدان ما يحسّنه العقل ويحكم باستحقاق فاعله من حيث هو فاعله المدح كالعدل والإحسان والصدق النافع ، ومنها ما يقبّحه العقل ويحكم باستحقاق فاعله من حيث هو فاعله الذمّ كالظلم والعدوان والكذب الضارّ ، ومن أوضح المحاسن مجازاة المسئ بالإحسان ، ومن أقبح القبائح مجازاة المحسن بالإساءة ، فإنّ العقلاء مطبقون على مدح الأوّل وذمّ الثاني ، وليس إلاّ لشهادة عقولهم باستحقاق الأوّل للأوّل واستحقاق الثاني للثاني ، وكون الاستحقاقين من القضايا المركوزة في أذهانهم ، كما يجده كلّ ذي مسكة راعى الإنصاف وجانب الاعتساف ، وخلّى نفسه عن الشكوك والشبهات ، وخلع عن قلبه العصبيّة والعناد ومتابعة الشهوات .
وتوهّم كون كلّ ذلك من جهة الاُنس بالشرع حيث أمر ببعض ما ذكر ونهى عن بعض .
يدفعه : فرض الكلام فيمن لا يقول بشرع كالبراهمة وغيرهم من منكري وجود الصانع .
هذا مضافاً إلى أنّ مرجع معاني الحسن والقبح على ما أشرنا إليه سابقاً إلى أمر واحد ، ووجه اعتبار الجميع وجه واحد ، وهي مع ذلك متشاركة في الخواصّ والآثار في المحبوبيّة والمبغوضيّة والمدح والذمّ ، فالالتزام بالإدراك العقلي في البعض يوجب الالتزام به في الجميع وإنكاره في البعض يوجب الإنكار في الجميع ، والتفصيل بالإثبات في بعض والنفي في غيره غير صحيح .
وتوضيح ذلك : أنّهما في جميع موارد إطلاقهما مفهومان انتزاعيّان ينتزعهما العقل لمنشأ المحبوبيّة والمبغوضيّة الناشئتين :
تارةً باعتبار كون الشيء كمالا أو نقصاً .
واُخرى باعتبار ملائمة الطبع ومنافرته .
وثالثة باعتبار موافقته الغرض ومخالفته .
ورابعة باعتبار موافقته المصلحة ومخالفته .