تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
العمل ، المعتضدة بدعوى جماعة اُخرى الإجماع على حجّيّة خبر الواحد في الجملة ، وتحقّق الشهرة على خلافها بين القدماء والمتأخّرين .
فلنشرع بذكر ما احتجّ به المثبتون للحجّيّة ، فنقول : إنّ لهم من الأدلّة الكتاب والسنّة والإجماع والعقل . أمّا الكتاب : فمنه آيات كثيرة منها ثلاثة تمسّك بها الشيخ في العدّة ، وهي آيات النبأ والنفر والكتمان ، وقيل أوّل من تمسّك بها فيما نعلم الشيخ ،
والعمدة منها آية النبأ وهي قوله تعالى في سورة الحجرات : ( يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ( 1 ) . وينبغي التعرّض قبل بيان وجه الاستدلال لشرح مفردات الآية ، فقوله : ( إن جاءكم فاسق بنبأ ) أي أخبركم فاسق بشيء ، وقوله : ( فتبيّنوا ) أي اطلبوا بيان صدق الخبر وظهوره وثبوت المخبر به في الخارج ، ولذا شاع تفسيره بالتثبّت بالفحص والسؤال ، وقوله : ( أن تصيبوا قوماً بجهالة ) أي مخافة أو كراهة أن تصيبوا ، والإصابة بحسب الأصل والوضع اللغوي وإن كانت لمطلق إيصال الشيء خيراً كان أو شرّاً ، إلاّ أنّ إطلاقها ينصرف إلى إيصال الشرّ ، ولا يصرف إلى إيصال الخير إلاّ لقرينة ، ومنه المصيبة حيث تطلق مطلقة على إيصال العزاء الّذي هو من الشرّ ، ففرق بين مطلق الإصابة ، والإصابة المطلقة ، حيث إنّ الاُولى لما يعمّ الخير والشرّ ، والثانية ظاهرة عرفاً بحكم الانصراف في الشرّ ، ولا تطلق على الخير إلاّ مقيّدة ، فقوله : ( أن تصيبوا . . . إلى آخره ) أي مخافة أن توصلوا الشرّ من نهب الأموال ، أو أسر النفوس ، أو قتلهم بسبب جهلكم بكذب الخبر ، وقوله : ( فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) أي فتدخلوا في الصباح حال كونكم نادمين إن جعلناه بمعنى الدخول في الصباح كما هو الأصل فيه ، أو فتصيروا نادمين إن جعلناه بمعنى الصيرورة كما جوّزه النحاة . وحاصل المراد أنّ إصابة القوم بجهالة كذب الخبر ممّا يوجب الوقوع في الندامة ، والتعبير عن هذا المعنى بقوله : ( فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) استعارة بالكناية ، حيث شبّه إصابة القوم بالجهالة بإصابة قوم في ظلام الليل الّتي ربّما توجب الوقوع في الندامة ، باعتبار وقوعها على غير مستحقّها بعد ما ارتفع الظلام بالدخول في الصباح ، وكذلك إصابة قوم نهاراً عملا بالخبر الغير المعلوم صدقه بلا تبيّن صدقه ، فأطلق على المشبّه ما هو من
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : 6 .