شرح
وقضيّة كلامه كون الحصر مركّباً من المنطوق والمفهوم ، لا أنّه منطوق فقط ولا أنّه مفهوم كذلك ، وهذا كما ترى قول ثالث في الخلاف الثاني .
ومحصّل مراده من قوله : « فيستفاد المجموع من المجموع » أنّه يستفاد المجموع من العقد الإيجابي - وهو إثبات الحكم للمذكور - والعقد السلبي - وهو نفيه عن غير المذكور - من مجموع القضيّة الملفوظة والعدول فيها عن الترتيب الطبيعي ، فيكون الحصر المستفاد من قوله : « صديقي زيد » و « العالم زيد » مثلا ، الّذي هو عبارة عن مجموع العقدين حكماً لشيء مذكور وهو « زيد » وشئ غير مذكور وهو ما عدا زيد ، والأوّل مستفاد من القضيّة وهو المنطوق ، والثاني مستفاد من العدول فيها من الترتيب الطبيعي وهو المفهوم ، فصار الحصر مركّباً من المنطوق والمفهوم ، وإنّما عبّرنا عن الجزء الثاني من المجموع الثاني « بالعدول » نظراً إلى ما تقدّم في كلامه من الاستدلال على الحصر بقوله : « فيستفاد منه الحصر لأنّ الترتيب الطبيعي خلافه والعدول عنه إنّما هو لذلك » ( 1 ) فتأمّل .
هذا كلّه في تحقيق الحال في النزاع الثاني .
وأمّا النزاع الأوّل : فالحقّ فيه القول بالحصر المدّعى عليه اتّفاق علماء المعاني ، لتبادر الحصر من نحو هذا التركيب في متفاهم العرف كما يرشد إليه الوجدان السليم والطبع الصحيح ، والمنكر له كابر وجدانه ، بل هذا التبادر ثابت في نوع هذا التركيب من سائر اللغات أيضاً ولا اختصاص له بلغة العرب .
ولأنّ الخبر ظاهر في الصدق كما يشهد به طريقة العرف في تصديق كلّ مخبر ما لم يقم على كذبه حجّة أو أمارة ، والكذب فيه احتمال عقليّ لا يزاحم الظهور ، واحتمال الصدق والكذب في تعريف الخبر اُريد به مطلق الاحتمال لا خصوص المساوي منه ، فلو كان لجنس الذات المتّصفة بالأمارة في قولنا : « الأمير زيد » مصداق آخر غير « زيد » وهو « عمرو » مثلا لزم الإخبار عن الأعمّ بالأخصّ وهو كذب ينفيه الظاهر ، ضرورة أنّ إسناد « زيد » إلى جنس الذات المتّصفة بالأمارة نسبة لها خارج لا تطابقه بالفرض ، وهو أنّ جنس الذات المتّصفة بالأمارة بعضه « زيد » وبعضه « عمرو » .
وبعبارة اُخرى : قولنا : « الذات المتّصفة بالأمارة » كلام لنسبته خارج لا تطابقه ، وهو أنّ الذات المتّصفة بالأمارة بعضها « زيد » وبعضها « عمرو » .( 1 ) القوانين 1 : 188 .