تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
شرح
فمرجع هذا البحث إلى البحث المتقدّم ، لكون المقصود به الإشارة إلى الخلاف الواقع في اعتبار إرادة المطلوب حسبما زعمه الأشاعرة من عدم الحاجة إليها في تحقّق " الأمر " وبنائهم على المغايرة بين الطلب والإرادة ، خلافاً لغيرهم الباني على اتّحاد الأمرين فلا يمكن تحقّق " الأمر " من دون حصولها . وأنت خبير بوهن هذا الاعتراض وابتنائه على قلّة التدبّر . فإنّ مرادهم بالإرادة على ما يساعده ظواهر عباراتهم - بل صريح كلماتهم - إنّما هو إرادة المأمور به ، ولا يعود النزاع إلى النزاع المتقدّم . فإنّ نزاعهم ثمّة إنّما هو في مفهوم الصيغة أو " الأمر " من حيث هو باعتبار الوضع كالنزاع الواقع في مفهومي " الغناء " و " الصعيد " ونظائرهما . فمنهم من ذهب إلى أنّه الإرادة لا ما يغائرها . ومنهم من قال بأنّه الطلب المغائر للإرادة ، وها هنا إنّما هو في مصاديق " الأمر " بحسب الاستعمالات الشخصيّة الطارئة للصيغة . فمنهم من زعم الإرادة من مشخّصات الصيغة الصادرة عن المستعمل ومخصّصاتها بالأمر . ومنهم من اكتفى في ذلك بمجرّد الوضع فإنّها " أمر " سواء أُريد بها المأمور أو الطلب أو لا . ولا يفرق حينئذ بين كون مفهومها الّذي وضعت بإزائه هو الإرادة أو الطلب المغائر لها . ولا ريب أنّ ذلك نزاع في أمر معنوي قابل لوقوعه بين أهل العلم ، كما لو فرض النزاع في صدق الكلام على قولنا : " زيد قائم " في اعتبار إرادة مدلوله الموضوع له فيه وعدمه ، ليظهر الثمرة في اللفظ الصادر عن النائم أو الغافل ونحوه ، فإنّه على الأوّل لا يكون كلاماً ، فلذا ترى بعض محقّقي النحاة أنّه اعتبر في حدّ الكلام كونه مقصوداً . وعلى الثاني يكون كلاماً ، فمن هنا ترى حدود الأكثرين منهم خالية عن القيد المذكور . وممّا يشهد بذلك ما عن جماعة من الفقهاء من القول الآخر من أنّ الصيغة بجنسها وفصلها ( 1 ) تصير أمراً بشرط تجرّدها عن القرائن الصارفة لها عن جهة " الأمر " إلى التهديد أو الإباحة ، مع زعمهم لو صدرت من النائم والمجنون لم تكن أمراً لقيام القرينة ، وأقوى من ذلك أكثر حدودهم المتقدّمة للأمر .
هامش
( 1 ) في الأصل : " ونفسها " والصواب ما أثبتناه .