شرح
فمرجع هذا البحث إلى البحث المتقدّم ، لكون المقصود به الإشارة إلى الخلاف الواقع في
اعتبار إرادة المطلوب حسبما زعمه الأشاعرة من عدم الحاجة إليها في تحقّق " الأمر "
وبنائهم على المغايرة بين الطلب والإرادة ، خلافاً لغيرهم الباني على اتّحاد الأمرين فلا
يمكن تحقّق " الأمر " من دون حصولها .
وأنت خبير بوهن هذا الاعتراض وابتنائه على قلّة التدبّر .
فإنّ مرادهم بالإرادة على ما يساعده ظواهر عباراتهم - بل صريح كلماتهم - إنّما هو
إرادة المأمور به ، ولا يعود النزاع إلى النزاع المتقدّم .
فإنّ نزاعهم ثمّة إنّما هو في مفهوم الصيغة أو " الأمر " من حيث هو باعتبار الوضع
كالنزاع الواقع في مفهومي " الغناء " و " الصعيد " ونظائرهما .
فمنهم من ذهب إلى أنّه الإرادة لا ما يغائرها .
ومنهم من قال بأنّه الطلب المغائر للإرادة ، وها هنا إنّما هو في مصاديق " الأمر " بحسب
الاستعمالات الشخصيّة الطارئة للصيغة .
فمنهم من زعم الإرادة من مشخّصات الصيغة الصادرة عن المستعمل ومخصّصاتها
بالأمر .
ومنهم من اكتفى في ذلك بمجرّد الوضع فإنّها " أمر " سواء أُريد بها المأمور أو الطلب أو
لا .
ولا يفرق حينئذ بين كون مفهومها الّذي وضعت بإزائه هو الإرادة أو الطلب المغائر لها .
ولا ريب أنّ ذلك نزاع في أمر معنوي قابل لوقوعه بين أهل العلم ، كما لو فرض النزاع
في صدق الكلام على قولنا : " زيد قائم " في اعتبار إرادة مدلوله الموضوع له فيه وعدمه ،
ليظهر الثمرة في اللفظ الصادر عن النائم أو الغافل ونحوه ، فإنّه على الأوّل لا يكون كلاماً ،
فلذا ترى بعض محقّقي النحاة أنّه اعتبر في حدّ الكلام كونه مقصوداً .
وعلى الثاني يكون كلاماً ، فمن هنا ترى حدود الأكثرين منهم خالية عن القيد المذكور .
وممّا يشهد بذلك ما عن جماعة من الفقهاء من القول الآخر من أنّ الصيغة بجنسها
وفصلها ( 1 ) تصير أمراً بشرط تجرّدها عن القرائن الصارفة لها عن جهة
" الأمر " إلى التهديد أو الإباحة ، مع زعمهم لو صدرت من النائم والمجنون لم تكن أمراً لقيام
القرينة ، وأقوى من ذلك أكثر حدودهم المتقدّمة للأمر .
هامش
( 1 ) في الأصل : " ونفسها " والصواب ما أثبتناه .